نحن و الآخر
الكوميديا الإلهية و الفكر العربي الإسلامي: أسماء غريب

توفي دانتي أليغييري الذي يرتاح الآن في قبره بمدينة رافينّا سنة 1321 م عن عمر يناهز السادسة و الخمسين سنة وذلك بعد أن ختم مؤلفه الكبير الكوميديا الإلهية [1] دونما أن تكون له أدنى فكرة عن كون خالدته هذه ستصبح في يوم من الأيام محط أبحاث ودراسات لاعد لها من أجل البحث عن الأصالة و الإبداع في هذه التحفة الأدبية النادرة.
بعض من أصحاب هذه الدراسات و الأبحاث شكّك في المصادر التي اعتمد عليها دانتي من أجل تقديم كوميدياه إلى قارئ إيطاليا القرون الوسطى و منهم من قال أن كل المصادر التي اعتمد عليها هي مصادر عربية إسلامية محضة لها علاقة خاصة بكتب الإسراء و المعراج المحمدي التي كانت تتداول في تلك الفترة بالأوساط الدينية و الثقافية العربية.
و من بين هؤلاء الباحثين ظهر الألماني شارل شيير[2] الذي نشر في سنة 1866 دراسة تحليلية يهدف من ورائها إلى التأكيد على الفكرة القائلة بأن دانتي كانت له دراية واسعة باللغات السامية و خاصة منها اللغة العربية !!! [3] وفي سنة 1901 ظهر بعده باحث آخر فرنسي متخصص هذه المرة في الفكر الفارسي اسمه إدغار بلوشيه حاول هو الآخر من خلال كتابه المصادر الشرقية في الكوميديا الإلهية أن يعبر عن نفس الشكوك التي أشار إليها الباحث الألماني السابق و ظلت الأمور على هذه الشاكلة إلى أن ظهر الباحث الإسباني ميغيل آسين بلاشوس سنة 1919 ببحثه الشهير دانتي و الإسلام ليوجه الضربة القاضية لكل من كان آنذاك يدافع عن الهوية الإيطالية للكوميديا الإلهية الدانتية ويعتبرها خالية من أي أثر لقصة الإسراء و المعراج المحمدية التي كانت تتداولها خاصة الكتب أو الرسومات الفارسية و التركية لتلك الفترة و التي جابت العديد من مناطق العالم شرقا و غربا.[4]
يبقى على قدر كبير من الأهمية أن نشير مدفوعين في ذلك بوازع الأمانة و النزاهة العلمية الإشارة بأن هناك فروق كبيرة جدا بين ماورد في كوميديا دانتي و بين إسراء رسول الأمة العربية الإسلامية محمد خير البرية عليه ألف صلاة و سلام و بين ما يشير إليه الباحثون من أوجه تشابه بين القضيتين إذ تكفي مجرد قراءة أولية للجزء الذي يتحدث فيه دانتي عن محمد (ص) و عن المكان الذي خصصه له في جحيم كوميدياه رفقة ابن عمه علي كرم الله وجهه و رفقة عظماء مفكري العرب أمثال ابن رشد و غيرهم كي نكتشف أن دانتي لم يكن يعلم شيئا عن محمد (ص) و لا عن حقيقة و جوهر الإسلام إلا ما كان يصله سماعا و إلا ما كان ارتكب في حق رسوله و رجاله تلك الشناعة و تلك القسوة التي لا تعبر سوى عن تشدد و تصلب ديني لرجل دين مسيحي متمرس لا يعتقد بالخلاص و النجاة سوى عن طريق اعتناق النصرانية دينا و مذهبا و هذا يمكن اعتباره مسألة عادية إذا ما نظرنا إلى الحدث و حصرناه في فترته التاريخية التي كان الإسلام يعيش فيها عصره الذهبي و احتكاكه بالحضارات الأخرى في فترة انفجار أزمة الحروب الدينية الصليبية آنذاك التي كانت ترى فيه خطرا حقيقيا يهدد وجودها ليس الديني فقط بل و أيضا السياسي و الاقتصادي.
و بعيدا عن أي حساسية و عنصرية دينية فإننا نعتقد بأن دانتي بغض النظر عن موقفه ضد نبي الإسلام سيدنا محمد النبي العربي عليه أزكى الصلاة و السلام لم يتصرف بشيء يخالف عقيدته و ديانته و أن موقفه هذا بالعكس يبدو موقفا طبيعيا لرجل لا يرى الصلاحية في دين آخر غير دينه، يدافع عنه باستماتة و يرفض كل شيء يخالفه أو يهدده و كي لا نتوقف كثيرا عند هذا الموضوع و نغيب الحديث عن مواطن الجمال الأدبي في كوميديا دانتي فإنه جدير بنا أن نشير إلى حقيقة أخرى تثبت عكس ما رغب الباحثون التأكيد عليه من اوجه التشابه بين إسراء محمد (ص) و رحلة دانتي في عالم الملكوت الإلهي مشيرين إلى كون هذا الأخير لم يسر به و لم يوحى إليه بأي شيء و لكن ألهم له كرجل معرفة و تصوف مسيحي و ليس كنبي أو رسول و شتان بين الأمرين و عليه فلا يجب الخلط بين الوحي و الإلهام لأنهما مساران روحيان يختلفان اختلافا جذريا الواحد عن الآخر، فالإلهام غالبا ما يتعلق بموضوع ما يختمر بفكر المرء و يتفجر بعدها بشكل مفاجئ من خلال حلم يقظة أو حلم منام، أما الوحي الإلهي فهو مسألة مطلقة و نعمة ربانية لا يتلقاها إلا الأنبياء عن وعي كامل و حق، سواء من خلال حجاب أو عن طريق الملائكة و هذا يدفعنا و لاشك إلى أن نقول أن محمد (ص) هو الأحق بأن نقول عنه أن ما عاشه من رحلة هو أمر لا يشاركه فيه أحد و وحي إلهي لا يمكن مقارنته بل و لا يجوز بأي شكل من الأشكال تشبيهه بما عاشه دانتي من إلهام.
دانتي كان يعيش ضغوطات نفسية قاهرة بسبب الظروف السياسية المريرة التي كانت تتخبط فيها إيطاليا آنذاك من حروب أهلية في مناطقها الشمالية بالخصوص و هذا النفس المرير و الحزين ينعكس بشكل واضح في عمله هذا و يعبر بشكل خاص عن نظرة متشائمة و حزينة نتيجة التجارب القاسية التي خاضها كرجل سياسة ثم كمنفي بعيد عن وطنه و بلده الذي كان يكن له حبا صادقا و كبيرا فواقعه إذن هو واقع يمثل عالما تحكمه فوضى رهيبة و فساد سياسي أرهب “خالي من أي أخلاق” و “مليء ومغطى بالخبث” على حد تعبيره الشخصي في أحد تراتيل الكوميديا، لذا فالنظام الإلهي بالنسبة له الذي يعد هدفه الأسمى هو تحقيق التوازن و السعادة لبني البشر تعرض هو الآخر إلى التشويه و التحريف و عليه فإن الحل الأمثل لكل هذا السواد الذي يعيشه دانتي نجده ينبلج في عقله عن طريق رؤيا تمت أحداثها بالعالم الأعلى من خلال حلم قاد فكره إلى حيث الجحيم مرورا بالمطهر ووصولا إلى الجنة أو النعيم.
أما محمد (ص) فلا هو تخيل و لا حتى حلم و لكن أسري به حقا روحا و جسدا بالرغم من كون هذه الحقيقة مازالت حتى الآن محط جدل واسع من طرف علماء و فقهاء الأمة الإسلامية و التي لا يمكننا أن نعلق عليها سوى من خلال الدعوة إلى قراءة متمعنة لسطور الآية التي تحدث فيها البارئ عن إسراء نبيه حينما قال عز علاه:
” سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع العليم” [5]
و الجدير بالملاحظة الدقيقة في هذه الآية الكريمة أن الله عز و جل استعمل مصطلح (أسرى) كي يؤكد بأنه أخذ عبده روحا و جسدا و أن الأمر لم يكن مجرد حلم أو رؤيا عادية.
استعمل أيضا عبارتي لنريه و آياتنا و هذا يدل على أن رؤية الآيات لا يمكنها أن تتم إلا عبر أجساد واعية و في كامل قواها و يقظتها العقلية و إلا فما معنى كون الرسول (ص) عاد من إسراءه ليحكي بعد ذلك لأصحابه كل مارآه هناك بأدق التفاصيل و أدهشها و خاصة تلك التي تتعلق بمرحلة وصوله إلى المقام الأعلى قرب سدرة المنتهى حسب تفسيرات العديد من فقهاء و شيوخ تفسير الذكر الحكيم، وما أشاروا إليه وبشكل خاص في سورة النجم:
“والنجم إذا هوى. ماضل صاحبكم و ماغوى. و ماينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى. علّمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. و هو بالأفق الأعلى. ثم دنا فتدلى فكان قلب قوسين أو أدنى . فأوحى إلى عبده ما أوحى. ماكذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على مايرى. و لقد رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى. إذ يغشى السدرة مايغشى. مازاغ البصر و ماطغى. لقد رأى من آيات ربه الكبرى.”
فهذه الآيات لا توضح فقط كيف أن رسول الإسلام (ص) قام برحلته إلى السماء بل و تبين أيضا عدد المرات التي رأى فيها سيدنا جبريل المطوق بالنورأي مرة حينما أنزلت عليه أولى سور القرآن الكريم أي سورة العلق و مرة أخرى حينما قدم سيدنا جبريل عليه السلام إلى اصطحابه نحو الملكوت الأعلى انطلاقا من الكعبة المشرفة و مرورا ببيت المقدس حيث تمكن هناك من رؤية العديد من الأنبياء أمثال إبراهيم، موسى و عيسى عليهم السلام جميعا وهذا ما يمكننا تسميته أيضا بالمحطة الأولى لهذه المعجزة أما محطتها الثانية فكانت بيت لحم وأما بيت المقدس فكان المحطة الثالثة حيث الصخرة السوداء التي كان قد بنى عليها في القدم سيدنا سليمان عليه السلام صرحه وهنا وجد النبي محمد (ص) السلم الذي مكنه من الصعود إلى عالم السماوات العليا حيث التقى في السماء الأولى سيدنا آدم عليه السلام، أما سيدنا يحيى عليه السلام ف ففي السماء الثانية أما بالثالثة فالتقى بسيدنا يوسف عليه السلام و بالرابعة التقى بسيدنا هارون عليه السلام أما سيدنا إدريس عليه السلام فالتقاه بالسماء الخامسة و في السادسة كان ثمة نبي الله إبراهيم عليه السلام جالسا فوق عرش من النور و قد أسند ظهره على البيت المعمور أما السابعة فهي مقام البهاء و التجلي الرباني و موقع سدرة المنتهى حيث رأى سيدنا جبريل بحجمه الحقيقي أي بأجنحته الستمائة التي تفصل بين إحداها و الأخرى مسافة تعادل تلك التي توجد بين السماء و الأرض.
كان هذا و غيره من المعجزات ما تمكن سيد البرية من رؤيته و ما حكاه للصحابة الأجلاء بعد عودته إلى الأرض و الجميل و المدهش في كل هذا هو ذاك الجواب الذي أجاب به من سأله من الصحابة عما إذا رأى الله فقال: “لا و لكني رأيت نورا عظيما” حسب ما ذكره فضيلة الشيخ النووي في الجزء الثالث من تفسيره لصحيح مسلم.
ولكن شفيع الأمة لم ير فقط في رحلته هذه مناظر بهذا الشكل من الجمال و البهاء المطلق و لكن مشاهد أخرى من العذاب و القسوة التي سيجازى بها الإنسان العاصي كل حسب حجم معصيته و خطيئته، كذاك المشهد الذي رأى فيه مجموعة من الأشخاص منهمكين في أكل أحجار من نار ملفوفة بالأشواك كعقاب لهم على ما ارتكبوه في حياتهم الدنيوية من معصية البخل و الشح و آخرون كانت تسحق رؤوسهم باستمرار بصخور ضخمة لأنهم على الأرض كانوا من تاركي الصلاة أما الزناة فكانوا يعاقبون بأكل اللحم المتعفن من أواني أشد نتانة و عفنا…وقد كانت بالذات هذه هي المشاهد التي دفعت الباحث الإسباني ميكيل بلاشوس أن يقول بأن هناك شبه كبير و نقط مشتركة بين رحلة دانتي و إسراء سيدنا محمد عليه ألف صلاة و سلام و أن الأول أخذ فكرة مؤلفه من قصة إسراء الثاني الشيء الذي عجل بظهور باحث آخر إيطالي في هذه المرة و اسمه إنريكو تشيرولّي [6] الذي استطاع من خلال مؤلفه الإسراء و المعراج و قضية المصادر العربية الإسبانية في الكوميديا الإلهية أن يوضح كيف أن دانتي كان قد توصل بشكل أو بآخر إلى قراءة الكتب التي أرخت لرحلة الإسراء والمعراج المحمدي.
من خلال حصوله إما على نسخة من كتاب الإسراء الذي ترجمه الموثق الإيطالي بونافينتورا أو على نسخة من الدراسة التي قام بها المبعوث الديبلوماسي الإيطالي برونيتّو لاتيني لدى البلاط الأموي بقرطبة آنذاك و جدير بالإشارة ذكر أن برنيتّو لاتيني هذا كان من أهم الأسماء التي أشار إليها الأديب دانتي في كوميدياه الإلهية معتبرا إياه من كبار أساتذته الذين أفادوه بخبراتهم الكبيرة في الأدب ، و يمكننا الملاحظة بأنه فقط من خلال هذه المعلومة يمكننا القول بأن دانتي ربما يكون قد توصل بشكل أو بآخر للتعرف على رحلة سيدنا محمد (ص) دون أن يعي حقا المفهوم الديني و الروحي الإسلامي للتجربة و إلا ماكان زج بسيد الخليقة في الدرك الأسفل من جحيم رفقة سيدنا علي كرّم الله وجهه و بعض مفكري و فلاسفة العرب أمثال ابن رشد.
وبالإضافة إلى كون دانتي كان رجل أدب من الدرجة الأولي فإنه علينا أن نشير انه كان أيضا رجلا روحيا و من كبار متصوفي الديانة المسيحية آنذاك بالرغم من كونه كان ممن غضبت عليهم الكنيسة في تلك الفترة خاصة وأنه كان قد نكل برجالها وباباواتها منتقدا إياهم أشد انتقاد.
شخصيته الصوفية هذه تبدو واضحة بشكل اكثر في الجزء الأخير من الكوميديا أي بالجنة و هو جزء تسبح أبياته في فضاءات لامتناهية من النور، ذاك النور و البهاء الذي لا يستطيع التعبير عنه بكل هذا العشق و بكل تلك الدقة و الدهشة سوى رجل خبر معنى الحب الإلهي و هذا يتجلى بشكل أكثر حينما يجد دانتي نفسه منجذبا إلى تلك الأفلاك السماوية المنيرة و إلى تلك الموسيقى الملائكية و النور المقدس الذي ما بعده نور والمجسد في روعة و جمال أدبي يسلب العقول في تراتيل المجموعة الثالثة و الثلاثين من الجنة إذ يبدو دانتي وقد ولج ببصره في النور الإلهي إلى أن فقد أي إحساس بالعالم الخارجي فوصل بذلك إلى مقام اللذة و السكينة و الرضى الإلهي مما يجعلنا نتساءل عن المدى الذي يمكننا القول عبره بأن دانتي في وصفه لكل هذا النعيم وبهذا الشكل من الحب و الصفاء قد استند بحق على مصادر عربية أو حتى غيرها وخاصة تلك التي تتحدث عن الإسراء و المعراج؟
النور الإلهي هو ملك للجميع و الله عز علاه هو للجميع أيضا خالقهم و متوليهم و سلامه و صفاؤه و محبته هي للجميع و في هذا يتفق كل رجال التصوف سواء منه الإسلامي أو غير الإسلامي، فدانتي إذن لم يأتنا بشيء جديد و تجربته ليست كتجربة محمد و لا يمكنها أن ترقى إلى مصاف تجربة الأنبياء و لكنها يمكنها أن تصل إلى تجارب الأولياء و شيوخ المعرفة و هذا يقودنا إلى التحدث عن صاحب أكبر و أسمى نظريات الحب و العشق الإلهي، دفين دمشق الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي الذي تحدث هو الآخرعن مفهوم النور الإلهي بالملكوت الأعلى من خلال شرحه لسورة النور و حديثه عن عظمته في كتابه الفناء بعد المشاهدة وهو نور لا يمكن التوصل إليه إلا من خلال حب كامل و متكامل و هو الحب الذي يتحدث عنه كل متصوفي الديانات السماوية التوحيدية الثلاث بالرغم من تعدد أشكاله و قصصه المعاشة و لأجل هذا يعد ابن عربي و السهروردي و رابعة العدوية من أهم النماذج التي يشار إليها بالبنان والخالدة في هذا النوع من الحب و التوحد الإلهي، فلارابعة و لا ابن عربي و لا السهروردي أو الحلاج و لا حتى دانتي نفسه كان هدفهم جعل هذا النوع من الحب فوق الأرض كشيء مقدس و بشكل مطلق و لكن هدفهم كان هو التوصل إلى ذلك الخيط الرفيع الذي يربط الله عز وجل بالكون كذاك الذي كان يربط ابن عربي بحبيبة قلبه ابنة مكين الدين الأصفهاني السيدة الفاضلة “نظام” ودانتي بمعشوقته “بياتريشه” التي تمكن من خلال حبها كما حدث لابن العربي إلى التوصل إلى ذلك الرابط الرفيع من حب كبير و طاهر بشكل لا يمكن أن يتجلى عنه حضور آخر سوى تجلي وحضور واضح من تجليات الله عز وجل من خلال النور الحق كي يقود دانتي إلى حقيقة و أسرار الديانة المسيحية و يقود محمد عليه أفضل صلاة و سلام إلى اكتشاف معنى وحدانية و صمدية رب السماوات و الأرض. و عليه فإن الوردة الصوفية المذكورة في الكوميديا الإلهية و التي يلتقي بداخلها دانتي مع قديسي النصرانية تعوم كلها في بحر من النور الإلهي و سدرة المنتهى التي حدثنا عنها نبي الإسلام تسبح هي الأخرى في بحار من النور و المصباح الذي حدثنا عنه الله عز علاه في سورة النور يشع هو الآخر نورا على نور، فالله إذن هو نور السماوات و الأرض و يهدي لنوره من يشاء، نور غالبا ما يعجز لسان المتصوفين عن وصفه ويعبرون عن هذا العجز بكامل الحسرة و الأسى الشيء الذي يدفعنا بالذات إلى القول بأن كل تجربة صوفية هي تجربة خاصة بالشخص الذي يعيشها بالرغم من كونها تقود إلى نفس النتيجة أي إلى اكتشاف عظمة الخالق عز وجل من خلال مراحل و مقامات في غاية الصعوبة و الدهشة إلا أنها تبقى دائما مسألة شخصية يعبر عنها كل سالك بطريقته الخاصة و أسلوبه الخاص من خلال انتمائه الديني، العقائدي و أيضا الجغرافي، لذا تبقى تجربة دانتي تجربة خاصة مختلفة تمام الاختلاف عن تجربة و إسراء الرسول محمد (ص) و مختلف حتى عما تحدث عنه أبو العلاء المعري [7] في كتابه رسالة الغفران و التي اعتقد البعض من الباحثين أنها هي الأخرى كانت مصدرا من المصادر التي اعتمد عليها أب الأدب الإيطالي من أجل تأليف كوميدياه، الشيء الذي يمكن اعتباره مسألة غريبة و لا أساس لها من الصحة، لأن قراءة بسيطة لكلا المؤلفين يمكنها أن توضح وجه الغرابة في هذا القول و توضح بالتالي مدى اختلاف المؤلفين الواحد عن الآخر في العديد من النقط و التي سنكتفي بذكر الأهم منها كمثلا، تلك التي تخص الفترة التي كتبت فيها رسالة الغفران و التي تختلف اختلافا كبيرا عن تلك التي كتبت فيها الكوميديا الإلهية و التي يؤرخ فيها دانتي لأحداث هامة تتعلق بأوروبا القرون الوسطى من خلال منظور يمزج بين ماهو سياسي و ديني و بين ماهو أدبي و صوفي أما أبو العلاء المعري فيظهر من خلال كتابه رجل فكر و نقد بارع و عبقري استطاع بحنكة و خبرة لا مثيل لها أن يجعل بينه و بين الأحداث مسافة عقلانية يراقب من خلالها الشخوص بحياد متناه.
نقطة أخرى تستحق الذكر في ما نقوم به الآن من مقارنة متواضعة بين العملين و هي تخص حضور المرأة في مساق أحداث الكتابين، ففي الكوميديا نجد أن بياتريش لعبت دورا أساسيا في توجيه حياة دانتي و مساره الصوفي بل و أصبحت حسب المؤلف رمزا للخلاص الأبدي و للحلول في الذات الإلهية و هو مفهوم لم يأت ذكره أبدا في عمل أبي العلاء خاصة و أننا نعلم أنه لم يحدثنا أبدا في سيرته الذاتية عن حب قوي و جارف اختلج في قلبه تجاه امرأة ما، بل كل ما نعرف عنه انه عاش طيلة حياته حصورا إذ لم يكن لا مجنون ليلى و لا حتى شيخ “نظام”.
دانتي في كوميدياه كان دائم الحضور يحرك بشكل درامي الأحداث و بتفاعل كبير و رغبة شديدة في معرفة أسرار العالم الآخر ومعرفة مصير المفكرين الذين تركهم على سطح الأرض وهو شيء لم نلاحظه في رسالة أبي العلاء.
أبو العلاء المعري كتب رسالة الغفران من أجل الرد على رسالة صديقه ابن القارح الحلبي و حلل من خلالها مظاهر و أسباب انحطاط الدولة العباسية آنذاك و هي أسباب ليست لها أية صلة لا من قريب و لا من بعيد بتلك التي دفعت دانتي إلى كتابة كوميدياه، أي أنه لو لم تكن رسالة أبي القارح لأبي المعري لما أتحفنا هذا الأخير برائعته رسالة الغفران.
و لأجل كل هذا فإننا نعتقد بأن الكاتبة و الدارسة الجليلة عائشة بنت الشاطئ كانت محقة حينما حذرت العرب من كتابات الباحث الإسباني آسين بلاشوس و من نواياه السياسية البحتة التي دفعته إلى القول بنظرية المصادر العربية الإسلامية في كوميديا دانتي، أي أنه كان يرغب بشكل أو بآخر أن يؤكد على مسألة السبق الثقافي و الاستعلاء الاسباني تجاه الثقافة و الحضارة الإيطالية، لأنه يعتقد بأن إيطاليا عليها أن تبقى دائما مدينة و معترفة بالجميل الذي قدمته اسبانيا لدانتي من خلال ما قدمته لها من ترجمات أسبانية عن الفكر العربي الإسلامي و التي لولاها لما استطاع دانتي أبدا أن يؤلف كوميدياه الثلاثية الأجزاء[8].
إلياس غالي هو باحث عربي آخر رفض أيضا هذه النظرية التي تساند فكرة استناد دانتي على مصادر عربية إسلامية و خاصة تلك التي تعني إسراء الرسول بل و سمى كل محاولة ترغب في الانحياز لذات الفكرة بهذيان الباحثين و نحن نعتقد أيضا بأن دانتي عن الإسلام و عن رسول الأمة و المسلمين لم يكن يعرف شيئا و إلا ما كان عاملهم و رجال فكرهم بتلك القسوة و الغضب في كوميدياه بل ويكفي أن نتأمل كيف يتعامل بعض مفكري الديانة المسيحية اليوم في حق الإسلام و رجاله و نحن في عصر الإعلاميات و الانترنيت و الاحتكاك السريع بالشعوب و الثقافات الأخرى و ما يبدو و يبدر عنهم من جهل كبير بدين الإسلام و حضارته كي نعي بشكل أكبر بأن دانتي المفكر الذي عاش في القرون الوسطى حيث كانت وصول رسالة من بلد إلى آخر يستغرق الشهور إن لم نقل السنين، لم يكن يعرف شيئا البتة عن الرسول و عن الإسلام سوى ما كان يصله من خلال أخبار الحروب الصليبية باعتباره شارك في بعض معاركها هو أيضا، لذا فقد كان محمد (ص) من وجهة نظره رجلا مارقا، ظهر كي يبث الفتنة و التفرقة و يهدد الدين المسيحي و القائمين عليه آنذاك و لو كان قد تعرف عليه و على الإسلام مباشرة و على معجزات نبيه لما تجرأ على الزج به في الجحيم و لربما ناصره و دينه الجديد، لما كان معروفا عليه من وجاهة فكر و نبل روح و معارضة لكل ما كانت تقوم به الكنيسة آنذاك من شنيع الأفعال منتقدا في كل هذا أشد انتقاد فساد البابوات السياسي و فساد الدولة و باقي مؤسسات الكنيسة في الوقت ذاته.
وحتى لا ندخل في متاهات اخرى حول قضية المصادر يكفي إلقاء نظرة خاطفة على أولى أبيات التراتيل الخاصة بجزء الجحيم كي نكتشف حقيقة المصادر التي اعتمد عليها دانتي و التي تخص الحضارة الإغريقية من خلال شخصية الفيلسوف و الأديب الأكبر فيرجيليو الذي قال عنه وهو يخاطبه هذه الأبيات:
“أأنت هنا يا فيرجيليو، أنت و ذاك المصدر
الذي يفيض كلاما عبر هذا النهر الواسع؟
عقّبت و كلي خجل
أنت يا من تعد بالنسبة لباقي الشعراء شرف و نور
فلتحرسني في بحثي الطويل و في الحب الكبير
الذي علّمنيه كتابك العظيم
فأنت معلّمي و أنت كاتبي
أنت الوحيد الذي أخذت عنه
و ازددت شرفا بأخذي عنه الأسلوب الجميل.”
و جدير بالإشارة أن فيرجيليو لم يكن مصدره الوحيد و لكن أيضا الكتاب المقدس و خاصة العهد الجديد الذي يتبين لنا من خلال قراءته أنه أيضا يحوي أجزاء كثيرة تتحدث عن الرحلات التي حققها رسل الديانة المسيحية إلى العالم العلوي و خاصة تلك التي أشار إليها دانييل و يوحانا في رؤياه اللاهوتية دون التغاضي طبعا عن الكلمات التي ذكرها بولس في رسالته الثانية إلى أهل كورينتوس بالأصحاح الثاني عشر:
” إنه لا يوافقني أن أفتخر. فإني آتي إلى مناظر الرب و إعلاناته، أعرف إنسانا في المسيح قبل عشرة سنة أفي الجسد لست اعلم أم خارج الجسد، لست أعلم. الله يعلم. اختطف إلى السماء الثالثة. وأعرف أن هذا الإنسان، أفي الجسد لست اعلم أم خارج الجسد، لست أعلم. الله يعلم. أنه اختطف إلى الفردوس و سمع كلمات لا ينطق بها و لا يسوغ لإنسان أن يتكلّم بها. من جهة هذا أفتخر.”
و لأجل كل هذا نعتقد أن المصادر الإغريقية و الدينية المسيحية كانت اكثر من كافية لتخلق بداخل دانتي كل ذلك الزخم من الإرهاصات الأولية و التي اختمرت عبر تجارب و إحباطات سياسية مني بها كرجل سياسة و فكر و دين على الخصوص كي تنتج لنا عملا بهذا الحجم من الروعة و الخلود دون المبالغة في التوقف بشكل أكبر عند قضية المصادر الإسلامية لأن دانتي و غيره من علماء عصره لم تكن لهم الوسائل لا العلمية و لا العملية للتعرف على ماهية و جوهر الدين الإسلامي و رجاله الكرام في عهد كان يسعى فيه أكثر إلى الحد من انتشار أي خطر قادم كان يعد تهديدا للدين المسيحي و للفكر الأوروبي بشكل خاص هذا الفكر الأوروبي الذي كان يسلط اهتمامه بشكل خاص على العلوم العربية بما فيها من رياضيات و فلك و طب و فلسفة و هندسة و على رجال الفكر العربي أمثال ابن رشد، ابن سينا، الخوارزمي، الفارابي و غيرهم و ليس على محمد (ص) و صحابته ليس لكونهم كانوا ذي أهمية أقل ولكن لأنهم كانوا يمثلون خطرا لا بد من درئه و عدم الإشارة إليه في أبحاثهم و دراساتهم الأدبية اللهم في أبحاث تستهدف الطعن و الانتقاد و ليس التبجيل و التعظيم للدور القيادي النير الذي قام به خير البرية محمد النبي العربي عليه ألف صلاة و سلام و صحابته رضوان الله عليهم.
إيطاليا: أسماء غريب
———————————————————-
[1] كان دانتي قد ألف كوميدياه هذه في العقد الأخير من حياته. العنوان الأصلي لهذا العمل الأدبي كان يقتصر فقط على كلمة “كوميديا” دونا عن “الإلهية” و قد كان يقصد بها آنذاك، ذلك النوع الأدبي الذي يمزج بين ما هو تراجيدي ساخر و بين ما هو شعر رثائي. المؤلف مقسم إلى ثلاثة أجزاء:
1 الجحيم/ 2 المطهر/ 3 الجنة وكل جزء يتألف من ثلاث و ثلاثين ترتيلا و هنا يلاحظ مدى أهمية الرقم ثلاثة بالنسبة للشاعر و لأب الأدب الإيطالي دانتي أليغييري.
تبدأ رحلة الشاعر سنة 1300 و بالضبط في يوم الجمعة المقدس من السنة الميلادية المسيحية (8 أبريل)، و التي يرى الشاعر نفسه فيها وسط غابة موحشة وكثيفة الأشجار و هي رمز للمعاصي و الأخطاء التي يرتكبها الإنسان في حياته. و بينما هو كذلك إذا به يلتقي الأديب و الفيلسوف الإغريقي فرجيليو كرمز للعقل و الضمير الإنساني الذي من خلاله ينشد الشاعر المساعدة و الإرشاد بهدف الخروج من هذه الغابة أو من مملكة المعاصي و الوصول إلى المطهر ثم بعدها إلى الجنة بقيادة بياتريش رمز الخلاص و النجاة الأبدية.
[2] Edgar Blochet, les sources orientales de La divine commédie, Paris, Maisonneuve éditeur, 1901.
3 Charles H .Shcier, Ciel et enfer ou description du globe céleste arabe conservé au Musée Mathématique Royale de Dresde en latin et en allemand suivie d’un supplément des commentaires sur la Divine Comédie, Dresde et Lipse, Tenber, 1866.
[4] وأكبر دليل على ذلك الترجمة التي قام بها الموثق و رجل القانون الإيطالي بونافينتورا لأحد كتب الإسراء و المعراج المحمدي ناقلا إياها من ترجمة أخرى كان قد قام بها الطبيب اليهودي إبراهيم الحكيم آنذاك.
[5] سورة الإسراء الآية رقم 1
[6] مستشرق إيطالي 1898-1988 كان حاكما بأحد مقاطعات إيتيوبيا في فترة الاستعمار الإيطالي لهذه المنطقة ، تعددت رحلاته بين الصومال و إيتيوبيا و استطاع من خلالها أن يترك لنا كتبا في غاية الأهمية باللغة الإيتيوبية يدافع فيها عن الحضارة ، الثقافة و اللغة الإيتيوبية و الصومالية. اهتم أيضا بالثقافات المقارنة و ترك في هذا المجال كتابيه الشهيرين: إيتيوبيا الغربية 1929-1933 و ايتيوبيون في فلسطين 1947 ثم كتاب الإسراء و المعراج و قضية المصادر العربية الإسبانية في الكوميديا الإلهية 1949 و أخيرا كتاب تاريخ الأدب الإيتيوبي 1956.
[7] ولد بالمعرة 972-1075 ، مني منذ نعومة أظافره بمرض الجدري الذي تسبب له في عاهة العمى، ولكن قوة و صلابة إرادته مكنته من تحدي هذه الإعاقة و الانغماس بالتالي في بحور العلم و الفلسفة و الأدب خاصة في الفترة التي انتقل فيها للاستقرار ببغداد حيث أصبح من أكبر مفكري العصر آنذاك و أشهرهم الشيء الذي جر عليه أحقاد و حسد الحاقدين من أعداء الفكر و النجاح و الذين اتهموه بالزندقة و الإلحاد.
[8] الغفران دراسة و تدقيق للدكتورة عائشة بنت الشاطئ.

La Feltrinelli
كاريكاتور
ملتقى الشعر الإيبيرو مغربي
موقع أدبي إيطالي
ميدل إيست أونلاين
مجلة الغربال
أنفاس نت
القصة السورية
الكتاب العربي الإلكتروني
المثقف
المركز المتوسطي للدراسات و الأبحاث
الوراق
العلم و الدين في الإسلام
اتحاد كتاب الإنترنيت العرب
راديو سماع للمديح النبوي
صوت العروبة
الصفصاف
سعاد درير
nnostalgia3@gmail.com
اشرف الخريبي a dit
تحياتي د\ اسماء لما قدمت عن دانتي ومصادره
اعجبتني مقالاتك وكان لابد من الأشادة بها
تحياتي وتقديري لك
اشرف الخريبي
nustalgia a dit
شكري العميق الأستاذ أشرف. مع التحية و التقدير.
أسماء غريب
صالح عوض a dit
الدكتورة الرائعة اسماء غريب
كل عام وانت بخير
قرات مقالك المهم والذي يكشف حجم الحقد الجاهل الذي يسكن صانعي الثقافات والسياسات في الغرب تجاه امتنا وتاريخنا..كنت اعرف عن الكوميديا الالهية اشياء كثيرة لمني اعترف انك اضفتي لمعرفتي روحا نقدية واعية..وجب الشكر اليك ومزيدا من النور في طريق الوعي
تحياتي
صالح عوض
nustalgia a dit
الأستاذ الكريم صالح عوض
كل عام و أنت أيضا بألف خير
مع كامل الأسف الحقد بكل أنواعه ينشأ عن الجهل
و الجهل ظلام و نار تأتي على الأخضر و اليابس
تبقى مهمتنا هي العمل ما امكن على الحد من هذا الجهل
من خلال العمل العلمي النزيه الذي يخدم الإنسانية جمعاء و ليس فقط
شعوبا دون أخرى
العالمية و الكونية في التفكير و العيش هي الحل
تقبل الآخر و التقرب منه عبر الاتجاهين هو أول الخطوات من أجل تحقيق هذه الكونية
مع التحية و التقدير
أسمء غريب
صالح عوض a dit
اشكر ردك اللطيف
استاذة اسماء
الجهل هو مصنع الحقد والكذب والخيانة
ولكن معركة الانسان في هذا الزمن معركة محفوفة بالمخاطر ضد العنصرية وتسلط الاقوياء الجشعين
ان الوعي وشعلته المقدسة وعشق الحقيقة والذوبان فيها
هما السبيل للمناضلين كي يواصلوا رحلة الطهارة والنظافة والانحياز الكامل للانسان
صالح