الشاعر محمد سليم الدسوقى: إيقاع الكلمة … إيقاع البيئة: محمود الديداموني
Posté par nustalgia le 29/08/2009

سوف أبدأ الحديث عن الشاعر محمد سليم الدسوقى من منطلق القدرة لديه على ضبط إيقاع الكلمات بطريقة لافتة للنظر ، وهو ما يجعل القارئ يذهب معه ، وقد لا ينشغل كثيرا بالمحتوى ، الذى هو فى واقع الأمر يحمل دلالات كثيرة ويعبر عن قدرات خاصة للشاعر ، وهو ما قلته للشاعر بالفعل عند إحساسه بالإهمال النقدى الواضح لكتاباته التى قدم فيها جهدا خارقا ورؤية غاية فى الأهمية وتجربة أستطيع أن أقول أنها متفردة ، تختلف كثيرا عن المألوف فى صالوناتنا الشعرية ، ولعل شعوره بالتجاهل النقدى لم يكن حجر عثرة فى طريق مواصلته للكتابة ، فأخذ يعد ديوانا بعد الآخر ، فى كل ديوان تجد متعة مضافة فى تجربة الدسوقى ، ولعل ذلك يدفعنا لتبنى رؤية ( مالارميه ) فى تعريفه للشعر حيث يرى ..
إن الشعر هو التعبير باللغة البشرية وقد أرجعت إلى إيقاعها الأساس، إيقاع المعنى الغامض لمظاهر الوجود، بمعنى أن شرط الشعر ينبع من اكتساب لغته إيقاعاً خاصاً يتشكل من قوة الغموض في الطبقات العميقة للمعنى، تلك التي تحاول تفسير مظاهر الوجود المعقدة تفسيراً شعرياً، إلا أن دخول موسيقى الشعر بوصفها نظاماً قائماً على أسس وقواعد وقوانين منطقية ورياضية زاد من انتظام فعالية البنية الإيقاعية في النص الشعري، وفسّر في الوقت نفسه إشكالية الغموض والقوة فيه، ونقلها من فضائها السحري الغيبي إلى حيث تشتغل أدائياً في بنية القول الشعري، متجاوزة في ذلك الوظيفة التقليدية الصرف للإيقاع.
هذا النظام الجديد بقوانينه ونظمه وقواعده المحددة الواضحة التي تنطوي على إمكانات قابلة للانكشاف بمرور الزمن وتعقيد التجربة الشعرية وتعميقها، يتقدم بوصفه بنية رمزية تنتزع مفاتيحها من شبكة الدلالات التي تمتزج بها، وتنقلها من شكل الحياد في حدود واقعها الرياضي المقنن إلى صورة الانحياز المتضمن استنباط كل عناصر الحياة والإبداع والتجول في هذا الواقع المقنن، وجعله جزءاً متفاعلاً في التجربة.
إن المهمة التقليدية التي ينهض بها الشاعر في محاولة إيجاد محاورة بين إيقاع الدلالة ودلالة الإيقاع، تبدو الآن غير كافية تماماً إذا ما أدركنا سر الارتباط الحيوي بين الشعر والموسيقى والعلاقة العضوية بينهما، بوصف أن الإيقاع المتولد عن هذا التداخل يعد مناخاً حيوياً يوفر لمنظومة الدلالات المتشكلة من جوهر المعنى الشعري قدرة أكبر على التمظهر واتساع الحدود.
إن المعنى لا يتحول من نثري محدد إلى شعري مطلق إلا من خلال اشتغال بنية إيقاعية، تسهم في إحداث هذا التحول الخطير في شكل اللغة وطاقاتها الدلالية، وصولاً إلى التعبير عن الظلال الوجدانية للدلالات.
من هنا يمكن التأكيد على أن أي خلل في الموازنة الحرة بين إيقاع الدلالة ودلالة الإيقاع يصاحبه شرخ في شعرية القصيدة، يؤدي ضرورة إلى خلخلة نظمها وقوانينها.
يمثل الصوت أصغر وحدة إيقاعية في المفردة الداخلية في نسيج القصيدة الشعرية، ويكتسب في دخوله الشعري قيمة إيقاعية مضافة، من خلال الفعاليات التي تنهض بها مجموعة الأصوات المتجانسة والمتناثرة، وهي تؤلف موجهات تقارب قيما ًدلالية معينة، لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إقصاء إيقاع المفردة الشعرية عن محتواها الدلالي.
وإذا كانت هذه العلاقة يكتنفها الكثير من الغموض والسرية في صورتها المجردة غير الشعرية، فإنها في الشعر تتجلى بكامل قوتها وعطائها، إذ أن للشعر قوته في كشف سرية العلاقة وإبانة غموض آلية التوصل بين معنى الصوت وصوت المعنى فيها.
وتظهر قوة الشعر الكاملة هذه في الطاقة التي ينطوي عليها الصوت مشرباً بالدلالة، وبقدر ما يكون هناك تجاوب صوتي فإنه يسهم في إحداث موازنة سيميائية دلالية، كما أن الجرس الموسيقي وهو يتشكل باندفاعات صوتية ذات صورة أكثر تعقيداً من الصوت المجرد، فإنه يشتغل على تصوير فضاء المعنى، ويعمل الإيقاع بوصفه المرحلة الصوتية الأكثر نضجاً وصيرورة على دعم هذا الفضاء من خلال إنتاج الفعل الصوتي في النص.
إن طبيعة التكون والنمو المحوري للدلالات في النص تفرض على الأصوات المؤلفة لها طبيعة السعة والعمق، بما يحقق تناسباً حياً تتمخض عنه البنية الإيقاعية الخاصة بالنص.
ويبدأ هذا التكون من نقطة “بؤرية” تلتقي فيها بؤرة المعنى مع بؤرة الصوت، ويتم الاتحاد بينهما في منطقة الشعر الغامضة، وباكتساب هذا الاتحاد قوته الشعرية تندفع بؤرة المعنى نحو التخلق الكامل بالتجربة، ومن ثم تقديم مستويات دلالية جديدة مشبعة بالتعدد والاحتمال يصاحبها تطور وتعقيد وعمق في البنية الإيقاعية، بالقدر الذي يستوعب انفجار الدلالة، ويحقق تماسكاً نصياً يستحيل فصله.
إن الوزن في شكله الأساسي المجرد هو الوعاء أو المحيط الإيقاعي الذي يخلق المناخ الملائم لكل الفعاليات الإيقاعية في النص، وهو في ذلك كالأرض الصالحة للزراعة التي لا تكتسب شكلها إلا من خلال النوع المزروع فيها،
وهو يخلق منها صورة على نحو خاص تتغير “مادة وإيقاعاً” بتغير النوع. ( 1) فى مهب الشعر .د . نزار بريك . منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق 2003
فالوزن الشعري هنا تعبيري، بمعنى أن بؤرة الدلالة وظلالها هي التي تعطي للوزن شكله الإيقاعي الخاص.
ولنذهب مع الشاعر فى هذا المقطع من قصيدة ولاّدة بنت المستكفى
(1)
لا تنصرفي
حطي رحلك فوق خيولي ….
فوق ميولي
فوق وعولي
وعلى كفيْك .. ضعي في الدفء
شذا كفِّى !
فلنا في الشمس
لنا في الورْس عُيون تُقىً ….
ولنا في الغرس سُلافةُ نعْس !
ولنا في العرس..
لنا في الأنس..
إذا أعطيتِ..
صباحةَ أحلام الفردوس …
حطي رحلك صوْب عيوني…
فتميمتنا …
في المنعطف !!
وبقدر ما يكون الانسجام الواجب تحققه بين الدلالة والوزن الشعري كبيراً، فإنه يتمخض ضرورة عن التحام جدلي متطور بين فضاء الوزن والفضاء الدلالي في النص الشعري يزيد من أهمية الوزن، وتزداد هذه الأهمية أكثر كلما أصبح الوزن عنصراً دلالياً في النص، على مستوى تعميق البنية الدلالية في ذاتها وتجسيدها، إذ يبدأ من هنا باكتساب جماليته الخاصة التي لا يمكن لها أن تتحقق من دون الوصل بالوزن إلى هذه المرحلة من الالتحام والتفاعل مع بؤرة المعنى وما يتمخض عنها من آفاق دلالية متشعبة، قادرة على التعبير عن التجربة الشعرية بكل عمقها وثرائها وتعقيدها.
وتصبح حركة الوزن طبقاً لهذا المفهوم متماهية مع حركة المعنى ومحددة لها في بعض الأحيان، أي تتدخل في صلب طبيعة التشكيل النسيجي لنظم البناء في النص. ” 1 “
ولعل قصيدة ولادة بنت المستكفى للشاعر تقدم شاعرا متمكنا من فنه تماما ، يستحضر التراث فيصبح فاعلا ، ونصبح معه فى تلك الحالة التى أشرت إليها فى صدر الحديث عن الشاعر ننطلق معه ثم نعود لمعرفة ذلك العمق الدلالى واستكشاف ذلك الغموض الجلى فى واقع الأمر ، إلا أن الإيقاع الراقص للكلمات وللمعنى وللدلالة أيضا جعلنا ننبهر بما نقرأ أو نسمع ،فيقول :
(2)
” ولادةَ بنتَ المستكفى “
لا تنسَىْ في ..
الرحْل ” العَرْفا “
وزهورا تنتظر .. القطفَ
وبدُورا فوق ليالينا …
تستبق الراحة والرجْف !
وأغاني القصر المسحور ..
وزمانَ الغُربة ، والمنفَى !
أشياءَك لا تنسى منها .. عصفورا
غردَنا صيفا !
ودعاءَ الشيخ المنصور ..
وقصيد هوًى ..
مائةً , ألفا ..
ومُغَنٍّ كان يطرِّزها ..
ويمُطُّ الآهةَ.. والحرف !
ويرقِّص غانية المَقْهَى…
فتُثنِّى الصلصلةُ .. العِطف !
ويغار السحْر الإغريقى!
ويغار العطر على “دلْفَى“!
(3)
“ولادة بنت المستكفى“
يا بنتَ سماحتنا دورى
فرغيفك يعشق تنُّورى !!
وخيولى تسبقنا سبقَا …
لرُوَاق السلطان الغُورى !!
وأبوك يجُزُّ ..
حقائبنا جزَّا …
ويمزق حبى الأسطورى !
فتعالَىْ نأخذ قسمتَنا ..
فى بيتى ..
غيطى ..
شُحْرورى
فهنا قصرٌ
وهنا أمرٌ
وهنا خمرٌ
وهناك حنِينى …
وحُبورى !
وأبى رجلٌ مستورٌ ..
يرفُلُ فى البيت المستور
ورضا أمى ..
وخلاخلُها ..
ودعاء الشيخة .. دستورى !!
أرجوكِ ..
أخوكِ يباركنا ..
ويعانق أطياف النور !
وهنا “فرديناندو” يعدُو ..
ويصبُّ الليل الديْجورى
فدُوَار اللعنة يسكنه …
وسُعار الزهو الأشّورى !
(4)
“ولادة بنت المستكفى“
رُدى يا بنتَ سماحتنا ..
فأنا بركانك وسْنانا
وأمامك يومٌ للسلْوى …
ورديفٌ يحتضن هوانا !
قالت:- فليكن الآنَ !!
ونعود لأيكتِنا توّاً ..
فأبى يمتارُك ولْهانا
وهناك الشيخُ المأذونُ …
وقليلٌ من شمع صبانا
ورغيفٌ ينتظر الملح , وزفيفٌ …
فى قلبى كان !…… فمضى …
حمدا لله , وصبرا , شكرا ..
عرفانا
وعلى ربَوات الأندلس …
ورفيفِ الحمراء جَوَانا !
فخيولى مسرجةُ الأمس ..
وغُيُولى فى عين الشمس !!
وغداً “مرجانة” فى العرس ..
تَسْبِى فى شدوٍ “مرجانا” !
ويعود الشعر لقافلتى ..
ويعود الماء لمجرانا !
ويقول الناس لقابلتى : ..
” ولادةُ بنتُ المستكفى” …
صارت فى النجوى شعراً ..
وعلى دقات الموسيقى ..
صارت للدنيا ………
شانا !!! ” 2 ” من قصيدة ولادة بنت المستكفى
وكلنا يتذكر قصة ولادة مع ابن زيدون .. أليست القصيدة هذه قدمت لكل ما سبق الحديث عنه آنفا وعبرت عن شاعر صاحب رؤية وتجربة كبيرة يجب الإشادة بها لا الإشارة فقط بعيدا عن دروب التهميش والتجاهل والنسيان .
ولنا أن نستكشف قدرات الشاعر الرومانسية ، عذوبة ورقة فيناجى المحبوبة أيا كانت تلك المحبوبة قائلا :
لأن بشالك بعض الشحوب …
وبعض الندوب ..
وبعض الكلال
فقد همت فى سقسقات الدلال!
وطوعت عينى على فلجة فى السراج…
على فلة فى السياج
عليـك
لأن الذى فى يديك سقام الجمال
ويستمر الشاعر فى مناجاته الهادئة للمحبوبة ، ويطلب منها البوح ، يلح فى طلبه لعدة اعتبارات يسوقها إليها كي تبوح .. ففى قصيدة ” بوحى “يشير الشاعر إلى إشارات دالة تعبر عن حالة المحبوبة وموقفها فيبدأ القصيدة قائلا :
أشيحى بوجهك أوْ لا تُشيحى
وهذا يحيلنا لأشياء وأفكار قد تتبادر إلى الذهن على رجع هذا المفتتح ، حيث يبثها أسبابه التى تدفعه لذلك الطلب فيقول :
فقد باح بالعطر همس المُسُوح
وصرْصرَت الريحُ نجوى الروابى
وعبَّقت الروح شجوى سفوحى
أريجُكِ …لكن أريجى مباحٌ
وعطرى لعطركَ…
فلتستبيحي
غداً تقرئين الذي فى كتابى
وتسترجعين الذى فى ضريحى !
ونقْرِى على غُلَّة فوق بابى
وشعرى على لُجَّة فى جروحى
تبُوحُ الليالى الضوارى وأنتِ
على نجوةٍ فى الصَّوارى…
فبُوحى
حين نتحدث عن الشعر، هذا الخواء ذي الرنين حسب عبارة هيدغر، فإننا إنما نتحدث بالضرورة عن (اللغة الشعرية) سواء أكانت قديمة أم جديدة، أي عن تلك العلاقة التي ألفنا قراءتها أو سماعها في اللغة النثرية الاعتيادية. ولئن كانت لغة النثر نفسها لا تخلو، أحياناً، من بعض الصور البلاغية والمجازية الموجودة هنا وهناك، فإنها لا تصل في كثافتها إلى حد خرق قانون اللغة. فالشعر، كما يقول الناقد الفرنسي (جان كوهن)، ليس نثراً يضاف إليه شيء آخر، بل هو النقيض للنثر، وبالنظر إلى ذلك يبدو سالباً تماماً، غير أن المعروف أن الشعر لا يحطم اللغة العادية إلا ليعيد بناءها، ومن هنا جانبه الإيجابي. ولذلك فإن اللغة لا تكسب صفة الشعرية أو الشاعرية من دون تحقيق قدر مناسب مما صار يسمى (الانزياح) عن قانون اللغة فكل صورة شعرية تعمل على خرق قانون أو قاعدة من قواعد اللغة أو مبدأ من مبادئها الدلالية.
ومعروف أن من أهم مظاهر الانزياح التي أشار إليها (جان كوهن) في كتابه (بنية اللغة الشعرية) يتمثل في أمور مثل التجنيس والقافية اللذين يعملان على عرقلة مظهر الاختلاف الصوتي الذي يضمن أداء الرسالة اللغوية، وخرق الترابط الدلالي والنحوي عن طريق اختلاف الوقفة الدلالية مع الوقفة النظمية، وإسناد صفات غير تلك اعتادت أن تصف الأشياء بها.. الخ ” 3 ” د: .ضياء خضير شعر الواقع وشعر الكلمات . منشورات اتحاد كتّاب العرب
إيقاع البيئة : -
ولما كان الشعر العربي، شعر مكاني في ارتباطه بالبيئة التي أنتجته، والإنسان الذي أبدعه، ولعل الإنسان لا يمكن أن ينتج شيئا إلا فى مكان وعن مكان ،كان لزاما على الدرس الأدبي أن يلتفت إلى المكان فيه، نظرة لا تحكمها التابعية، فتحصر هم المكان في بعض المظاهر الثانوية، أو تتخطاه لمجرد ذكره بعبارات اهترأت استعمالاتها، و خوت دلالتها،و صدأت جدتها. بل التنقيب في عمق العلاقات التي ينشئها المكان بينه وبين مختلف المعاني، والعادات القولية، والفعلية، والأخلاق، والسلوك. مادامت الغنائية في الشعر العربي إنما تتأسس على اهتمام فردي في المقام الأول، ثم تنفتح لعديد من العلاقات الأخرى.
واستعمل “القرآن الكريم“هذا النعت المكاني:”أصحاب اليمين“و“أصحاب الشمال“للدلالة على أهل الجنة، وأهل النار.كما استعمل غيره من النعوت المكانية لتجسيد صور الإيمان والكفر. ( 4 ) فلسفة المكان في الشعر العربي .د. حبيب مونسى . منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2001
وهذا يدفعنا للتأكيد على البيئة المكانية والنفسية والاجتماعية بمفاهيمها المختلفة عند الشاعر محمد سليم الدسوقى من خلال مجموعة من الصور الشعرية والدلالات التى وردت فى نصوصه ، حيث لا تخلو قصيدة من قصائده إلا وتبزع مفردات وصور ودلالات تعبر عن البيئة بمستوياتها المكانية والاجتماعية والنفسية فى آن .
ولنقترب قليلا من تأثر الشعراء المحدثين بكل ما أحاط بهم من ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية ، فعلى المستوى الاجتماعي هناك من شغل نفسه أو انشغل بقضايا العدل الاجتماعي ، والتكافل الاجتماعي ، وهناك من اعتنق منهجا سياسيا للدفاع عن حرية واستقلال الأمة وآخرون شغلوا بالقضايا الثقافية ، خاصة أن هذا العصر شهد أكبر محاولات تجديد فى شكل القصيدة العربية ( قصيدة التفعيلة ) وما زالت المعارك الثقافية مستمرة ، لم يكن محمد سليم الدسوقى إلا مستفيدا من هذا الحراك الثقافي وتلك المعارك ، فنتج إبداعه مواكبا لحركات التجديد بما يخدم ما قلناه سلفا عن إيقاع الكلمة ولعل القارئ لشعر الدسوقى يدرك قدراته الفنية العالية فى هذا الخصوص ، ولنذهب معا لبعض قصائد ديوانه (الحب فى زمن الرمادة ) ” 5 ” ديوان صادر عن سلسلة أصوات معاصرة ..
ذلك الزمن الذى يعكس بلا ريب زمنا ما ودالا على حاضر ما أيضا ، مستخدما مفردات غاية فى الدلالة مكنته من رسم اللوحات الفنية التى أرادها لهذا الزمن المَتاجر فيه بكل المعاني الجميلة ، ويصبح زمنا للدّلاّلات والنخاسين وتجار الكلمات ، ولندرك أيضا مدلول تجار الكلمات هنا ..
إن الشاعر يستخدم مفردات من بيئته التى يعيشها وتعيشه ، تلك البيئة المكانية الريفية التي تعتمد على حرفة الزراعة فيقول :
تحترق حقول القمح
الحلبة
أعواد النعناع
تموت نبوءات الأزهار
فراشات النّوّار
تموء القطة والزنبار
وترمد أرضي
تقذف في الطرقات
ثعابين الرمضاء
نلاحظ تلك الصور التى تنبع جملة وتفصيلا من تلك البيئة المكانية عاكسة لتلك البيئات الأخرى المنصهرة فيها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية ، ليدل على ما وصل إليه الحال فى تلك الأرض الخصبة التى تحولت بفعل الزمن من إنتاج للأزهار والثمار الطيبة ، إلى ملجأ للثعابين التى تمرح فى هذا القيظ من الحياة ، وهنا أيضا تدفعنا الصور التى يسوقها الشاعر للتعرض لتأثير الزمان على المكان .. وتعود بنا الذاكرة للدراسات الطللية فى الشعر العربي .
ثم يسوق لنا الشاعر مفردة أخرى وصورة أخرى تحمل روح المقاومة والصمود فيقول :
وتبحث أطيار الظل المفقود
عن العنقود
تتدلى
تعبث
تحتج
تغامر
تغمز منطرف العينين
تفتش فى جوف النسيان
تسائله
تستأذن من حبّات القمح
التائهة الخربة
تفتح أبواب جذوع الأشجار
تقاسم قطعان النمل
جماعات الديدان
بقايا حبّات الزمن الفائت .
نلاحظ أن كل أفعال الفقرة السابقة تدل دلالة واضحة على الحركة والفعل والمحاولة الإيجابية للتخلص من قيود هذا الزمن المدودب على حد تعبير الشاعر.. فهو شاعر لا يقف موقف الراصد المعبر وصفيا عن اللحظة ، بل يعلم جيدا حقيقة الشعر ووظيفته ، وهى قدرته على الفعل والمقاومة .
ولنرى معا هذا الترتيب للأفعال ( تبحث – تتدلى – تعبث – تمنح – تغامر- تقاسم ) . ونلاحظ الفعل الأخير ( تقاسم ) ليدل على أن هناك قدرا من الحق قد تم أخذه نتيجة كل ما سبق من أفعال .
وفى قصيدة العرّافة يقول من تلك المفردات أيضا :
فتزرع شطّها الوردىّ
حور الليل
عريانة
وفى قصيدة سيمفونية يقول أيضا :
ونحلم بالخضرة فى طوفان الدم
وبالظل الوارف في أتون الشمس
ولنذهب لقصيدته الغداء الأخير نجد هذا الكم الهائل من تلك المفردات فيقول :
فلمن تأتين بسلة خبز
أرز
موز
قلة ماء
مأدبة غداء
يا جارية الحقل
وغانية الفقراء
وينطلق فى هذه القصيدة شارحا ما فعله هؤلاء فى حياته وحياتها سواء كانت تلك المخاطبة أمرأة أو وطن فيقول :
جرحوا الحقل وساحوا
لا يلوون على شئ آخر
غير الجرى على أجرين
على شطين نديين
على ثديين حلوبين
ثم يقول
مات الزمن الفائت ودفنّاه
كنّا نسمر بين الحقل وبين الدور
تثغو الساقية
ويثغو الراعي
والأغنام الشائهة
عواء البقرة والطنبور
كنّا … كان
وهنا نجد الشاعر قد استخدم مفردات ووظفها بطريقة عكسية تعكس طبيعة ما وصل إليه هذا الزمن وتلك البيئة ، وهو ما يمكن أن نطلق عليه بالمفارقة التصويرية ، ناسفا كل العلاقات المنطقية للأشياء وللمفردات ، فها هي الساقية تثغو ، والراعي يثغو ، والبقرة تعوي وكذلك الطنبور ، وفى مثل تلك المفارقات التصويرية نجد أيضا سوار الأذنين ، وقرط المعصم ، والشاعر من وجهة نظرى نجح نجاحا كبيرا فى تلك الصور التى ساقها لنا ، فلم تكن بطريقة عفوية ، بل وظفها بطريقة تعبر عن وعى وتمكن كبيرين ، وليس هذا الحديث عن المفارقة التصويرية فى شعر الدسوقى ، حيث تحتاج لوقت ودراسة أكثر عمقا من مجرد الإشارة فقط .
نعود إلى مفردات الدسوقى المعبرة عن بيئته من خلال صفحات الديوان فيقول فى قصيدة ( حصار الحلم ) :
بعيون الأيام الساهرة وقفنا
ننتظر الشمس
نغازلها نمطرها الدفء
الصدق
الحب
حصاد الأمس المأزوم
ثمار العرق المكدود
الناعس فوق جبين الفأس
صليل المنجل
أفراح السنبل
أحمال السابلة
وحلم الأرض الصابرة
الأمل هو السلاح الذى يمكن الشاعر من المقاومة وعدم الاستسلام ، ينتظر الشمس ، الصباح الذى يعقب الليل والظلام ، يقدم فى سبيل تحقيق حلمه مجموعة أشياء مترجمة فى أفعال ( نغازلها – نمطرها الدفء ) معتمدا فى ذلك على الصدق والحب ورصيد كبير من العمل الجاد والعرق والكد.
ويستمر فيقول :
أحجبة العرّافة
وثغاء العنزة
أحلبها
تقسم ما فى الضرع الفائر قطرة حلب
ما فى الحلق الالصابر كسرة خبز
غصة عشب
هذه هي البيئة التى عاشها الشاعر ، بيئة فقيرة معدمة ، لكنها أبدا ما فقدت الإحساس بالقدرة على الحياة ، تتمسك بالحلم ، وتعشق أيضا التمسك به .
يقول أيضا :
ترقص عافيتي في عرس الشمس
ترّجع أغنية العمر المخضوضر
يملأ أحضان الأجران
تراتيل الساحة
موّال العنزة
إصرار الخنساء
كراريس الأولاد
علامات الاستفهام
وهنا نلاحظ تداخلا لكل البئات التى عاشها الشعر بمفاهيم البيئة النوعية ويستمر فى هذا التناغم بين البيئة الريفية والتراثية والدينية والاجتماعية والنفسية أيضا مستدعيا عمر بن الخطاب ناشدا عودة العدل ، وكما نرى فى الجزء السابق قد استدعى الخنساء ، داعيا استلهام قدرتها على الصبر والتجلد .
الشاعر محمد سليم الدسوقى واحد من الشعراء الذين أجادوا العزف على أوتار الكلمة فكانت إيقاعاته دالة وموحية ومتناسقة وذات شجون ، مستخدما فى ذلك المفردات والصور التى ولدتها تلك البيئة التى أنتجته فأنتجت جل أعماله الشعرية التى تعتبر إضافة كبيرة وهامة لمكتبتنا الشعرية العربية
العش المفقود بين الجداريات ومواكب الانتظار
قراءة فى شعر منير مزيد *
بقلم / محمود الديدامونى
عصفوران عاشقان
مازالا يبحثان عن عش
لم يجداه…
طارا في السماء بعيدا بعيدا
فوجدا يد الله ممدودة…
للشعر دور كبير في تشكيل الهوية الحضارية لأمتنا العربية على مر العصور، القديمة والحديثة، وليس أدل على أهمية الشِعر في تاريخنا العربي من وصف أمتنا بأنها أمة شعر. وما ظهر من تصنيفات عدة حسب الغرض الشعرى أمدنا بتسمية أعتقد أنها ملازمة لشعرنا العربى قديما وحديثا ، وليست مستحدثة ، وهو ما يصنف على أنه شعر المقاومة ، وليس شعر الانتفاضة ، فشعر المقاومة أكثر شمولية من شعر الانتفاضة كون الأخير أحد المفردات الهامة للمقاومة ، فكيف لا يكون الشاعر مقاوما ، وقد نذر حياته للشعر وللوطن ، ومن هنا يستطيع الباحث أن يدخل إلى شعر منير مزيد من تلك الأيديولوجية الفكرية ، فهو العاشق للمكان / الوطن ، والوطن عاشق له ، كلاهما يبحثان عن بعضهما ، وكأن كلا منهما وطن للآخر ، ولأن المسافة بعيدة بينهما ، طارا فى السماء ، لتتعانق روحيهما ، متعلقتان بالأمل ، لأن يد الله ممدودة ،هى إذن قضية الوطن المستلب ، قضية القضايا ، ينزف خلالها الشاعر همومه وهموم وطنه ، ولأن دارس الأدب قارئ في المقام الأول ! والقراءة تحتم عليه إقامة الفهم، وضبط نتائجه. وقد تقاس القراءة الحقة بهذه السعة، لا فيما تحشد من معلومات في حصادها، بل فيما تتخير منها لتدعيم فهمها للنص. فقد يتطلب النص في هذه النقطة من الكم المعرفي، ما لا يتطلبه في نقطة أخرى. وهذا التوزيع في مقادير المعرفة، هو الذي يعطي للقراءة فاعليتها، ويؤكد للقارئ عبقريته. إذ ليس العبرة في الحشد و الجمع، بل العبرة في التوزيع الذكي الذي يخدم المعنى، ويحقق للنص عطائيته المفيدة ، وقد يكون قصد الشاعر ذاته دلالة أخرى غير التى اهتدينا إليها ، مما يعتبر ثراء لمدلول النص وطاقاته الفنية ، إن ممارسة القراءة الإشعاعية، ممارسة ممتعة. لأنها مشاركة، والمشاركة تدرج القارئ في العملية الإبداعية إدراجا مزدوجا: إدراج في صلب النص، فيكون القارئ جزءا من النص ذاته. وإدراج خارجي تكون فيه الذات القارئة هي غياب النص. ونقصد من الغياب في هذا الموطن، العمق غير المرئي من مجال النص، الذي تشكله الدلالة. فكل دلالة منها تشكل عمقا، أو كثافة نصية، لها من التوتر الإبداعي، ومن الشحنة العاطفية، ومن القصدية المعنوية، ومن السمة الأسلوبية، ومن الصياغة اللغوية ما يحددها أثرا جزئيا في التركيب الكلي للنص الإبداعي عامة. فإذا استطعنا تحديد الحزم النصية، وألحقنا بكل واحدة منها ما يناسبها من عناصر الإبداع ومقوماته، استطعنا في أثر رجعي تحديد سماكة النص الأدبي، ووضعنا الحضور إلى جانب الغياب لتأكيد وحدة الأثر الإبداعي جملة واحدة .
فعندما يكون الحديث عن الشعر ، نقف احتراما لهذا السيد ، لأنه يحمل مقومات البهاء ، ويملك أيضا مباهج الحياة ، ومجامع الشجن ، فلم يعد الشعر مجرد التعبير عن المشاعر والأحاسيس والانفعالات للنفس البشرية فى رصدها للحياة والواقع ، بل الشعر منهاج حياة . العلاقة وثيقة بين الإنسان والشعر ، وبين الشعر والوجود ، فمتى كانت الحياة كان الشعر ومتى وجد الإنسان بزغت شموس الشعر تبدد العتمة ، فتشرق الحياة ، ويفرد الصباح ملاءة الندى .
من هنا كان الشعر خصيصة مهمه من خصائص التكوين الإنسانى ، لأنه لغة الحياة والوجود والخيال والحلم والخلود .
ولعل أنصار قصيدة النثر يرون أنها أرقى أنواع الكتابة الشعرية ، وهذا فيه كلام ، ليس هذا مجاله الآن ، ولعل ما فعله أدونيس من محاولة فض الاشتباك بين المتناقضات التى تكتنف القصيدة ، خاصة فيما يتعلق بين الفوضى والتنظيم ، مطلقا على تلك العلاقة تسمية ” الوحدة العضوية ” باعتبار أن القصيدة النثرية ذات شكل على أية حال ..ولا أدل على أننا بصدد قصيدة نثر تتصل بجذورها مع تلك القصيدة الإشراقية التى كتبها آرثر رامبو ، فقد تأسست على نوع المعرفة الإشراقية ، كما أنها تستند على الحدس الصوفى الذى هو محورها بشكل عام ، ولا يمكن أن نغفل أن القصيدة لا تخلو من موسيقى تقترب فى بعض الأحيان من قصيدة التفعيلة ، فليس ثمة انفصال تام .
ولم يكن الشاعر ” منير مزيد ” إلا واحد من الشعراء الذين أجادوا العزف على قيثارة الشعر فى ديوانه ( ) ويتجلى ذلك فى قصيدته جدارية الشعر حين قال :
أمتطي صهوة جواد الكلمة
عابرا أَقَاصِي السَّمَاوَاتِ
خلال الصمت و السديم
في مملكة العدم
مستنهضا دقائق الخلق
وتفاصيل الوجود….
فالشعر هو المنهج الذى يراه الشاعر خلاصا وملاذا لأنه عبر قائلا :
ما من مرة
الجأ إليها
إلا
وتوصلني إلى الله ….
وكيف لا وهو الشعر ذلك السيد الذى وصفناه آنفا ، عندما نخلص له يكون الخلاص والحمى .. والشاعر هنا يحمل مقومات تجربته الإبداعية ، ينصهر فيها وتنصهر فيه ، ولا عجب أن يكون منير مزيد محملا بكل تلك التجربة / القضية ، لأنها الكيان ومن دونه لا وجود له ، ولن أستطرد طويلا فى التعريج على التجربة الفكرية عنده ، بل سينصب الحديث فى غالب الأحيان حول التجربة الإبداعية فنيا ، من حيث كونها خطابا فى مواجهة الآخر ، أيا كان هذا الآخر ، من خلال صور شعرية تسير أفقيا وتنمو رأسيا فى خدمة الفكرة والفن فى آن ، فالعملية الإبداعية الحداثية، توصف على أنها بنية لغوية قائمة على منطق المفاجآت الغريبة، والتكاثف الدّلالي المعقّد، والإيقاع الدرامي المشحون بعذاب الذات على جميع المستويات الحياتية ، فهل نجح منير مزيد أن يصهر كل تلك العناصر فى بوتقة واحدة ، لتتجلى لنا تجربته الإبداعية ؟، وما المقدار الذى استطاع به ان يجذبنا كقراء لتلك التجربة ؟ هذا ما سنحاول الكشف عنه من خلال قراءة متأنية لنصوصه .
تعدد الأصوات الشعرية ومعطيات المصادرة الفنية :
*********
تتعد الأصوات فى العديد من قصائد الديوان ففى قصيدة ” مراث كربلائية ”
حيث نجد ثلاثة أصوات فى هذا النص ما بين الراوى – الشاعر – القمر ، فى حالة تبادل الأدوار أو ما يمكن تسميته بالكراسى الموسيقية فى أخذ المبادرة بالحديث ، ولكن على لسان الشاعر أيضا فهو لا يترك اللجام يخرج من يده، مصدرا القصيدة بالنهى ولعل فكرة المصادرة هذه تكون دائما سلاح ذو حدين ، إما ان يطلق العنان للتخيل فى مواطن أخرى ، أو يحصرها فى جهة مغايرة فقط دون البحث عن ماهية النهى وأسبابه والتسليم برؤية الناهى ، فيقول :
لا تناد لا أحد يسمعك
غير منازل طينية قديمة
شبعت من حكايا البشر
وشاخت من الذكريات
أن سمعت زقزقة العصافير
لا تحسبه غناءا
بل مراثي كربلائية
ولم تكن فكرة المصادرة على المتلقى بنت هذا النص وحده بل نجد ذلك فى نص ” فصل من إنجيل الشعر ” وليس الغرض من المصادرة عفويا بل يقصد الشاعر أن يركز آليات الدفاع والمقاومة عنده وينظمها بحيث لا يضيع الجهد ، ويختصر المسافة بينه وبين المتلقى ، المخاطب هنا لتسريع حركية رد فعله فيقول :
من يدعي
إنه يعرف الحقيقة كاملة
….يكذب
و من يحاكي الضياء
يقطع راس الثعبان
….و يلقيه في بحيرة النيران
الصورة الشعرية :
فى البداية يجب التسليم بأن لهاث الشاعر وراء الصورة الشعرية ليس من الشعر فى شيء إذا لم تكن الصورة الشعرية فى مكانها الصحيح وتخدم النص دلالة وشكلا ، لأن الصورة الشعرية من وجهة نظرى تكتسب قيمتها وجمالياتها من كونها موظفة توظيفا سليما وفى البناء اللازم للنص الشعرى وليست نشاذا عليه ، من هنا أو من تلك القناعة سأتعامل مع بعض الصور الشعرية التى جاءت فى شعر منير مزيد ، ونرصد مدى قيمتها فى البناء الدلالى لنصوصه ، ونظرا لأن الصورة تتشكل من مفردات تمتد بين مجموعة من الأبعاد ، فهى إذن لا تتحقق إلا من خلال حيز مكانى ، وهذا كما يرى النقاد يدعو لعدم التمييز بين الرؤية والتفكير ، فالصورة الشعرية فى ذروة تجلياتها بذلك تستهدف فعل المجاز البصرى بالأساس ،حيث التمثيل البصرى للصورة هو أساس عملية التلقى ، وبذلك ، تتحول المخيلة من اللفظى إلى المرئى وتصبح ذات صبغة بصرية .
فيقول منير مزيد فى قصيدة مراث كربلائية : -
الغروبُ يَدْفنُ الجبالَ في الظِلّ
ومرآة تَعُومُ في الفراغِ الأخضرِ الغامقِ،
ضوؤها يعكس حزن أطياف الأزقة المهجورة
وفي أحشاء السحبِ الزرقاء الباردة
تَنْمو أعشاب معطرة عديمة الشعور
يطل القمر
يَتباطأُ
وهى لوحات متتالية تشكل فى النهاية لوحة فنية متميزة ، نلاحظ ذلك الغروب الذى يدفن الجبال فى الظل ، تخيل حط فى مكان ، ثم تحديد مكانى آخر تعوم فيه مرآة يعكس ضوؤها حزن أطياف الأزقة المهجورة ، ويستمر الشاعر فى تراتبية زمنية للصورة متوافقة مع الفكر العقلانى لتسيير الكون ، من حيث الغروب وما يلازمه ثم ما يتبعه لبزوغ وإطلال القمر ، وفى قصيدة ” جدارية الحب والإلهام ” نجد صورة أخرى
أتمشى…
أتمشى مع سأمي
مع روحٍ قد غزاها الضباب
بحر يعلو على شواطئ نفسي
والماء يغمر حصى النزيف…
هى صورة تعبر عن الحلة النفسية ونستطيع ان نطلق عليها لوحة من لوحات النسيج النفسى فى بناء القصيدة فهو يستئنس بتلك اللوحة للتكيف مع الوضع الذى يعيشه الشاعر ثم يسارع الشاعر فى رسم صورة حركية اخرى عندما يقول :
في صوتك
خرير مياه خرافية
توشوش الرمل والحصى
ما يلج في حلم
سنحياه معاً
ونغادر مع أوراق الخريف…
تلك الحالة من الوجد مع التعلق بالأمل رسمت صورة عكسية تماما ، وهو سؤال نطرحه من الذى ينقذ من … الحبيب أم المحبوبة ؟
من يقدم لمن ..؟ الوطن أم المواطن خاصة فى تلك الظروف التى يستلب فيها الوطن ، وفى آن واحد يهجر المواطن ، وكان الشاعر يريد ان يخبرنا أنه ليست ثمة فرق كبير بين الأمرين فكلاهما استلاب ، يقول :
يا منية الروح
أنقديني
لقد سئمت شتات نفسي
وأنا في الوحل
غريق
عمديني
دموعك دافئة
تكفِّر خطاياي
أحبيني
وكفى…!
بينما نجد الصورة الأجمل فى قصيدة “جدارية الشعر ” عندما يقول :
بين التصور والانفعالات
يسقط الظل
في كأس الحلم
ويظل الكون كله هادئا
ساكناً
متأملاً
يطرز الرؤية الفضية
تتشظى
ولم تكن قصيدة سندريللتى الغجرية اقل حظا من تلك القصائد التى أشرنا إلى قدرة التصوير داخلها ، بل نجد عددا من الصور الجزئية المتتابعة ، مشكلة فى النهاية اللوحة الكلية للنص الشعرى ،وللحقيقة فإننى اعتبر هذه القصيدة لوحة فنية راقية ، فيقول منير :
هذا المساء
كُلّ الطيور طارت
واختفت…
السماء لها لون الحزن
والإغتراب
وللأشجار رائحة الإنتظار
الفراشات لا تجسر أن تطير
حتى لا تفزع الزهرة النائمة
و الفراغ اللامتناهي يتجمَّد.
الحقيقة أن الشاعر منير مزيد وضع أقدامنا على أعتاب قصيدة متميزة فهو لم يحفل بقضية الصوت والصدى فى قصيدته ، ولم يعمد للتجنيس وكأنه يحاول أن يغاير كل هؤلاء الذين يكتبون قصيدة النثر ، من حيث كونها تحمل داخلها كما لا بأس به من الموسقة الداخلية ، وما يشفع لمنير فى ذلك البعد عن فكرة التنغيم أو الموسيقى ، فلست أتصور شعرا بلا موسيقى ، لكن وأعود لقصيدة منير ، يشفع لها قدرته على الاختلاف ، والاختلاف الذى يصب فى خدمة فنه ، وهو الاحتفاء بالصورة الشعرية كمعادل موضوعى لفكرة الموسيقى ، وكأنه يستعيض بفن فى مقابل الاستعانة بفن آخر ..فلم تكن نصوص منير مزيد من النصوص المصطنعة ، بل تتجلى فيها موهبة حقيقية ويكفى للإشارة ما سقته من استشهاد تطبيقى لشعره .
…………………………………..
ربما كانت قصيدة النثر لها سماتها التى تميزها كما عرفتها سوزان برنار ، فهى أى قصيدة النثر قطعة نثر موجزة من غير إخلال ، موحدة ومضغوطة كقطعة من البللور ، تتراءى فيها من الانعكاسات المختلفة ، إنها خلق حر ، ليس له من ضرورة أخرى غير رغبة المؤلف فى البناء ، خارجا عن كل تحديد ، وشيء مضطرب إيحاءاته لا نهائية . من هنا كان الإيجاز والتوهج والازمنية والوحدة العضوية أهم السمات الفنية لقصيدة النثر ، وقد غاير الشاعر منير مزيد بعض هذه العناصر مجربا بعناصر أخرى أشرت إليها سابقا ، ويبقى فقط الحكم للمتلقى على مدى قدرة الشاعر على أن يقنعنا بكل هذا الجهد ومدى جدواه فنيا ، الحقيقة أيضا أننى ما كتبت شيئا من قبل يتعاطى مع قصيدة النثر ، فلذلك أشعر بالإجهاد الذى يسلمنى للمتعة والاسترخاء ، حيث أقتنع لحد بعيد بمحاولات منير مزيد فى الاستعاضة بمكون فنى على حساب مكون آخر ، ويقف الحديث عند حدود القصيدة النثرية ولا يتعداها .ولعل ذلك يعده النقاد تجريبا ، والسؤال الذى يطرح نفسه على شعراء قصيدة النثر ، هل التجريب هنا من أجل بلورة كاملة لشكل ومعيار القصيدة ، أم انه خطوة فى سبيل التطوير ، وربما الانفلات ؟
………………………………………..
حميمية العلاقة بين الحزن والاغتراب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما من قصيدة فى هذا الديوان إلا وتدور فى فلك الغربة والاغتراب وما يصاحبهما من شجن وحزن ، ولما لا وهو الشاعر الحزين الذى أنهكه الفقد ، فنذر حياته للدفاع عن قضيته ، وكيف يتم التعامل مع شعر منير مزيد دون الغوص فى أفكاره ، ونلاحظ ذلك فى عناوين القصائد ، فهى للوطن وهى مراثى وهى للقومية العربية وهى للبحث عن موطن أفضل للشعر وللشعراء ، فالعلاقة وطيدة بين كل تلك العناصر والتى تعتبر المكون الثقافى والمرجعية الفكرية التى ينطلق منها منير ، ففي قصيدة سندريللتى الغجرية نلمح فكرة الاغتراب هذه ، عندما يقول :
أفكر ان انتزع قلبى
أقولها باكيا
ويستمر الشاعر فى منحنا مجموعة من الصور التى تسلمنا لطبيعة العلاقة بين الحزن والاغتراب فيقول : -
آه وحدك أيها الوهم
تلازم جنون غربتى
ودوما تذكرني
الحزن المر يأتي من هناك…
تباً لك أيها الوهم اللعين
دوما تستعذب أحزاني
تجرجرني إلى هناك
وتحاول رسم وجه الحبيبه….
وتنتهى القصيدة بصورة بديعة استطاع الشاعر أن يقنعنا بهذا التداخل الكبير وتبيين العلاقة الحتمية بين الغربة والحزن
دعني هنا
مكفناً بالأشعار
أتلذذ مع سندريللتي
بين الغابات…
حتى عندما غنى الشاعر لبغداد فى قصيدة تحمل هذا العنوان كان يغنى لوطنه ، يتوحد مع قضيته ، هى حالة من المواربة الفنية يلجأ إليها الشاعر ، فهو المغترب الذى يعانى ، ويطلق رغم ذلك لأحلامه العنان ، وفى كل الأحوال هو يعلن الوفاء لبغداد فيقول :
آه بغداد يا هالة الروح….!
في حزنك أنا الألم
وفي قلبك أنا النبض
ثم يقول مخاطبا بغداد أيضا :
بغداد
في ظل أهداب عيونك
تنام أحلامي و رغباتي
مدّ يدّك
خذيني إلى أرض النخيل….
حيث النخيل سيد الأبدية
حبّك سيحطّم جسمي الطيني
علّك تعيدني تمثال روح
شبحا
أو وميضا ….
أنا متعب من الحزن
من الغربة
و الرحيل….
آه يا بغداد
لنا أن نتخيل تلك العلاقة الحميمة بين ما قاله منير وبين الواقع النفسى الذى يجثم على صدره ، ولعل تمسك الشاعر بالأمل رغم كل تلك الظروف لجدير بالاحترام ، فيقول فى قصيدة ” فصل من إنجيل الشعر ”
الشمس آتية
لا ضير في أن ننتظر قليلا…
العشب الرضيع
لا يمل انتظار حليب السماء…
خاتمة :
ــــــ
الحقيقة أنني كتبت أكثر من ذلك فى مسودتى وتناولت جوانب عدة فى شعر منير مزيد ، واهتديت على انه ليس المطلوب منى أن أقول كل شيء ، فلست معنيا بذلك ، لكن كلمة حق يجب أن أقولها عن شعر منير مزيد ، هى أنه شاعر يجيد العزف على قصيدته ويسعى جاهدا لوضع بصمة حقيقة فى هذا الشان من خلال فكرة الاستعاضة أو كسر المألوف فى قصيدة النثر فنيا وتجاوز ذلك بالاستعاضة بالصورة الشعرية باعتبارها بديلا لفكرة الموسيقى الداخلية للنص الشعرى ، على اعتبار أن الفن التشكيلى قد يكون أكثر قدرة من الموسيقى فى العملية التخييلية الإبداعية ، ولا يخلو الديوان ولا شعر منير أبدا من تلك المناطق العادية جدا ، بل والمباشرة التى لا تسمن ولا تغنى من جوع فنيا ، ولا يخلو شعره أيضا فى بعض الأحيان من الاتكاء على قاموس لغوى مكرر فى بعض المناطق ، هو قادر على تجاوزه ، حيث قد تأخذه الصورة أحيانا ، فيقع فى الشرك .. والأمثلة ليست بالكثيرة لكنها موجودة …
ختاما : لا املك إلا أن أحيى الشاعر المجيد منير مزيد على منحنا قصيدة نثرية تجاوزت حدود المألوف ، وتبنى على قصيدة جادة أسس لها الماغوط وأنسى الحاج وأدونيس وغيرهما عربيا . والجميل أن منير على دراية كاملة بتطور القصيدة عند الغرب ، لأنه يعيش فى رومانيا وعلى اتصال وثيق بالثقافة الغربية وبشعرائها الكبار، ولعل تاثره بالحضارة اليونانية والرومانية فى مسألة الآلهة التى لا تخلو منها قصائد منير لدليل على ذلك ، رغم تحفظى على استعمالها ، فليس ثمة مبرر لذلك وهو الشاعر المسلم الذى يحمل فى قلبه هموم وطنه وعالمه الإسلامي وله العديد من الآراء الجيدة التى دار حوار بينى وبينه فيها عبر البريد الالكتروني ، فلا أعرف لمنير إلها غير الله الواحد ، وإنما تلك الآلهة التى تخطر فى صفحاته إنما هى آلهة من نسج التأثر باليونانيين فى أدبهم ..
وما يدعو للقراءة عند منير مزيد هو هذا الإصرار لديه على تقديم مشروعه الشعرى والأدبى دون الالتفات للرتيب أو الساكن فى هذا العالم المتجدد .
الجمعة 26 من رمضان 1429
26من سبتمبر 2008
الهوامش والمصادر :ـ
* منير مزيد ـ شاعرعربى مغترب يقيم فى رومانيا
· انظر.. المراجع الآتية . الظاهرة الشعرية العربية .. الحضور والغياب .. اتحاد الكتاب العرب 2001 د/ حسين خمرى
· انظر.. التجربة الإبداعية .. اسماعيل الملحم … دمشق 2003
· انظر .. آلة الكلام النقدية – محمد الجزائرى مطبوعات اتحاد الكتاب العرب 1999
· فلسفة المكان فى الشعر العربى .. د. حبيب مؤنسى
· قصيدة النثر من التأسيس إلى المرجعية .. عبدالعزيز موافى – سلسلة العلوم الاجتماعية – مكتبة الأسرة 2006 مصر
· ديوان مراثى كربلائية – مخطوط للشاعر منير مزيد
شهقة ريح ..قراءة في
ديوان الشاعر / سلطان الزيادنة
بقلم / محمود الديدامونى
فقط هى شهقة ريح لا غير تحدث تغييرات عدة فى عالم يؤمن تماما بالتغير ، ذلك العالم الذى يرسمه الشاعر سلطان الزيادنة يناجى من خلال تلك الشهقة حبيبته ، التى يستطيب لضربها ضلوع الذبيح، حبيبته ( شهقة ريح ) هى ذاتها تلك الشهقة التى يناجيها وتناجيه
حبيبتى
يا شهقة ريح
تضرب الحنايا
وتستطيبُ لضربِِها ضلوعُ
الذبيحْ
ثم يطالبها أن تنفخ جنونها العذب فى صدر أشرعته ، تلك الصورة الرائعة التى يريدها الشاعر أن تتم وتحدث أى جنون هذا إنه الجنون العذب ، وهل فى الجنون ما يستعذب ، ولأنه شاعر يمتلك خيالا جامحا…صار الجنون عذبا ، ولما لا وهو يتأهب للسفر، هى البشارة التى يبحث عنها ، يبحث عن الفعل والمشاركة ولعل اللغة والقدرة على استخدام مفرداتها لدليل على قدرة الشاعر ووعيه بماهية ما يكتب ، ( ولنشعل ) فعل يدل على المشاركة والتوحد فى آن ، كيف ذلك وما الآلية اللازمة لتحقيق هذا الفعل …. كان ذلك بـ ( لهيب حضور )
انفخى
جنُونَكِِ
العَذْبَ
في صَدر أشرعتي
بشارةَ سَفَرْ ……
ولنُشعلَ بُحورَ الجمر
لهيبَ حُضورْ …..
ثم ينطلق الشاعر من صورة أفقية تسير فى تعددية النداء .. لكنها بالفعل تعتبر صورة ملحة فى البناء الشعرى ، لأنه ينطلق منها لتحقيق أمنية ، فيها يتوحد مع الزمن ، الماضى والحاضر ، مفردات تلك الصورة ( النجمة البكر - القمر – عانقيني – لأصالح – يومي – أمسي - أشتهي – القدر ) .
حَبيبَتي
يا بَسْمةَ النجمةِ البكرِ
حين يغازلُها القَمَرْ
عانقيني
لأصالحَ يَومي
أمسي
وأرسُمٌ كما اشتهي
الَقَدَرْ
ثم نجد الولع بتولد الصورة فى تتابعية متصلة للصورة القديمة ، لأنه يربط صوره باستعراض السبب ، فيقول :
فمن زمَانِ
ومراكبُ الوصْلِ
قابعةٌ
على شَواطِئِ الصُبّارِ
كَعرائسِِ العُنوسةِ
تَنتظرْ
من زمان
ومراكبُ الوصْلِ
ترتلُ آياتً التشَهَي
وتَصْطلي
سَقَرْ
تلك الصورة الدالة تماما على الشوق والولع بالمحبوبة أيا كانت تلك المحبوبة ودلالاتها ، هى المحبوبة المطلقة التى لا تحدها حدود ، ولا يمكن حصرها أو تقييدها فى إطار ..
من تلك المساحة يعبر الشاعر عن رغبته ويجد الفرصة متاحة لذلك ، لملميني قيثارتي ، وكأنه شهقة مبعثرة هنا وهناك ، ومن ماذا تلملمه ، ( من رفات النهاوند ) وكأن النهاوند أصبح قديما لم يصلح للحياة والغناء ، ويضع البياتي فى تلك الكفة أيضا ، لأنه يستبدلهما ، أو يريد أن يستبدلهما بدور أندلسي طروب ، ليس فى أي وقت بل حدد الشاعر الزمن لذلك التغيير ( ساعة سهر )
لمْلِميني قيثََارتي
من رُفاتِ
النَهاونْدِ
ونَثَارِِ البَيَاتي
وأعزفيني
قيثارتي
دوراً أندلُسياَ
طَروباً
سَاعةَ ….. سَهرْ
ومن تلك الحالة تنبع الحكمة التى تؤكد طبيعة الحياة وحتمية الزمن ، لتبقى القصيدة ذات الشبق وذات النار
وأمضي
وتمضي فيَََّ حِكمَةُ التِكرارِْ:
-ليلٌ في ظَهرِ نَهارْ
وتَبْقى القَصيدة…..
ذاتَ الشَبَقْ
ذاتَ النَارْ
ثم ينطلق بنا الشاعر فى قصيدة أخرى هى أقرب للعلائيات ( أبى العلاء المعري ) ذلك الشاعر الفيلسوف ، والذى غلبت على نظرته السوداوية فى جل شعرة وفلسفته ، يحمل منطقه ، ولعل ما ساقه الزيادنة فى تلك القصيدة من تركيز على اللون والتعبير عن الحالة باللون لدليل على براعة التناول ، وصدّر القصيدة بمصادرة حيث لا لون إلا الداكن ، بل هو عنوان القصيدة :
يوم وهبتها سراجي
استهوتها غواية الليل
هنا ينطلق الشاعر من لحظة زمنية محددة المعالم ، يوم وهبتها سراجى ، حدثت نقطة الانطلاق بل المحرك الرئيس لبناء النص ، استهوتها غواية الليل ، هل لأنها أحبت ذلك السراج الذى يبدد تلك العتمة ، أم أن الأمر يتعلق بمساحة نفسية أخرى ، يترك الشاعر لنا مساحات التخييل ، الأمر لا يستمر كثيرا ، لأن صوتها الأسود القبيح ينشدها ، وهنا أتوقف عند تلك الصورة كثيرا ، من يستطيع أن يصبغ الصوت باللون ، غير الشاعر ، هذا ما فعله شاعرنا الزيادنة بقدرة عالية لأنه فى الأساس ينطلق من تلك الحالة النفسية المهيمنة على الشاعر ، ثم تبزغ الصفة ( القبيح ) ثم كلمة أخرى ( ينشدها ) وهنا تبدو حالة من التضارب جملة شعرية غاية فى الدلالة تعبر عن تلك التوأمة بين الحالة النفسية والقدرة التعبيرية الموازنة لتلك الحالة ، حيث لا يستطيع الكثير من الشعراء خلق هذا التوازن بين المساحة الشعورية والقدرة التعبيرية .
صوته الأسود القبيح ينشدها:
وتستمر حالة المصادرة على باقى الألوان حيث يهيمن اللون الداكن على النفس كمكان مرادفا موضوعيا للمكان المادى الذى يتحرك النص خلاله .
-لا لون إلا الداكن
موؤدة باقي الألوان
تغزو الظلمة كل المكان
وتستحيل الدروب
أشباح دروب……
خطاي لا تجدني…..
من يدركني بقبس من نور؟
من نار؟….
-خرافة هي الأقمار.!
يستنجد الشاعر بمن ، هو تائه لا يدري بمن يستنجد ، من يدركه بقبس من نور ، من نار ، حتى يصل لحالة من الكفر بالأقمار ووجودها ، لأنها لم تحقق الحد الأدنى من رعايته حين استنجد بها … خرافة هي الأقمار . ويستمر الشاعر فى تبيين معالم هذا العالم من خلال حالة اللاوعى ، يصبح فيها العمى ملاذا خاصة فى هذا العالم الذى صم الأذن ، والعمى صار نعمة ، لأنه ببساطة فى الظلمة تتساوى كل الجهات ، ويأسف الشاعر لضياع كل محاولاته لإنقاذ نفسه والعالم ، دون جدوى مؤكدا بصورحركية متدفقة حالته مواكبة فى ذلك حركة الزمن ، وفعل المتلقى لتلك النداءات ، وفى النهاية يلقى الشاعر بقنبلته الموقوتة فى وجه المتلقى قائلا :
كنت ادري أني اذوي
محض نبض أخير…..
مرة في العمر لم يعِ
حكمة المصير:
-الصمت
أسرع من الصوت
بذاره ارتعاشات المحزون
وقطافه موت…..
متسع للرحيل * .. انطلاقة راقية
بقلم / محمود الديدامونى
يقول الدكتور إحسان عباس فى كتابه ” اتجاهات الشعر العربي المعاصر ” : لم يعد الشعر صورة من صور الأدب ، بل أصبح شيئا مستقلا ، والفرق بينهما أن الأدب نتاج فعل الموهبة داخل حدود مرسومة ، وأن الشعر كشف ذو مهمتين ، تحويل العالم وتفسير العالم ، أو كما يقول بريتون ” إن دور الشعر أن يظل يتقدم دون توقف ” أن يكتشف مجالات الامكانات فى كل اتجاه ، وأن يبدو دائما مهما يحدث من أمر قوة تحريرية ورصدية ” وعلى هذا الأساس يصبح انفتاح الشعر للفهم هو العدو الأكبر للكشف ، لأن مهمة الشاعر الأولى هى إخراج اللفظة من الحيز العقلى ، حتى تستطيع الكلمة التعبير لا عن فعالية الروح وحاجتها ، أى تصبح ثورة ، وتصبح لعبة الكلمات بما فيها من إيحاءات صوتية ، أهم بكثير من قيمتها الدلالية ، وتصبح اللغة التى يمتلكها الشاعر ومقدار ما يتمتع المتلقى بها هى المعيار الذى يتم التعامل به مع القصيدة ، “1 ” .
بهذه المقدمة نستطيع أن نلج إلى عالم “فاضل الجابر ” الشعرى ومحاولة التعرف على تجربته الإبداعية وإن كان من الصعب الحكم عليها لأنها بداية لتجربة كبيرة قادمة وفى طريقها للنمو يوما بعد يوم حيث تعتبر التجربة الإبداعية تؤكد أن الحياة لا تطلق مخزونها دفعة واحدة، لأنه غني ثري أولاً وهو في طور الاكتمال ثانياً.. فليس من جواب نهائي لإمكانات الحياة التي تبرز لنا في كل آونة جديداً لا عهد لنا به.
ولا يقنع الإنسان –كما أنه لم يقنع من قبل- بلعب دور المتفرج المأخوذ بعظمة الكون وجلاله والذي هو لا ينقطع عن الدهشة أمام الجمال وأسرار الوجود التي تتكشف كل يوم عن واحد أو أكثر منها. والكشف الذي يحرزه المرء رهن سعيه ودأبه واجتهاده وامتلاكه أدوات التعبير والحفر على المعاني. والمبدع من تكشفت له آفاق قد يتيسر لغيره الاتصال بها لكنه يشعر بما لا يشعرون به وتكون لديه القدرة على الإفصاح بما يخامره في لحظات يكون فيها في حالة من الكشف والوجد والدهشة.
ومن فاته أن ينعم بمثل هذه الحالة لن تفته –إن أراد- حالة يقتنص فيها ما فاض على المبدع في تلك اللحظات لأنه على أي حال يمتلك القدرة على التلقي فتصله الرسالة ويتفاعل معها على قدر جهده.. ويغوص في بحر ما أعطاه ذلك المرسل أو بحر الرسالة التي يبعث بها إليه فيكتشف بدوره ما اكتشف الأول ولربما تحصل لـه ما لم يكن قد رآه المبدع فيما أبدع فتتراءى له من بحر الإبداع لآلئ ودرر قد يفاجأ صاحب النص أن قد رآها غيره في نصه. وحالة النشوى التي يشعر بها المبدع بعد فيض ما كان مستغرقاً فيه تتصل بالمتلقي في عملية اتصالية لا حاجة فيها لاستخدام الأسلاك التي تربط بين المرسل والمستقبل ودون أن يتحدث هذان الأخيران بصوت عالٍ وجهاً لوجه أو بأية لغة مما تعرفه الأبجديات. “2 “وللحق فإننى حين عمدت للكتابة عن هذا الديوان أو المجموعة الشعرية ، لم أجد أفضل مما قاله د/ إحسان عباس والكاتب إسماعيل ملحم لأصدر به هذه القراءة حول ديوان متسع للرحيل للشاعر السعودى فاضل الجابر الذى أهدانى باكورة أعماله بطريق البريد ، وكانت فرصة طيبة تعرفت فيها على شاعر يمتلك طاقة إبداعية كبيرة ، وزعها على صفحات ديوانه الأول بوعى بدءا من ( موغل في طقوس الانتظار – ومرورا بـ زرقة مستحيلة وهلوسات وانتهاءً بشظايا ) تلك التقسيمات الفنية الجيدة للديوان تجعلنا نقف أمام الهيكل البنائى للديوان ولو قليلا ، ونتساءل لماذا هذا التفسيم بالذات للديوان ؟ لعل الإجابة على هذا السؤال تتضح من خلال ملاحظة البناء الهرمى لكل قسم من هذه الأقسام ، فالقسم الأول الذى يأتى تحت عنوان ” زرقة مستحيلة ” يضم قصائد طويلة مابين صفحتين إلى خمس صفحات تقريبا .. بينما القسم الثانى الذى يأتى تحت عنوان ” هلوسات ” فجل قصائده قصيرة جدا ، أو ما يمكن تسميته بالأبيجرامات ، ثم نجد القسم الثالث والأخير تحت عنوان ” شظايا ” وهو مجموعة من القصائد القصيرة ذات الصفحة الواحدة .. ومن هذا التشكيل الهندسى يمكن النظر على أن الديوان عبارة عن منطقة مرتفعة كهضبة تسقط إلى منحدر فى بطن الوادى ثم تصعد منه إلى تلال كرجع صدى ، وبالمعنى الميكانيكى أو الرياضى منحنى ساقط بقوة ثم يرتفع بقوة أقل .. وهذا البناء يسوقنا إلى فكرة التعليم والتعلم والفرق يبنهما ، قد يبدو الحديث بعيدا عن الديوان لكنه الهيكل البنائى للديوان فرض على ذهنى البوح بكل ذلك ، خاصة أننى وضعت خطوطا عريضة عندما قرأت الديوان لم يكن بها ما كتبته الآن فى صدر هذه القراءة ، وهذا سر من أسرار الأعمال الإبداعية الجميلة التى تجعلك دائما فى حالة استدعاء لأفكارك ورؤاك .. أعود إلى الديوان وتجربته الإبداعية ..
إن الشاعر ينطلق من علاقات التشابه أو المعادل الموضوعى ، يقول فى موغل فى طقوس الانتظار :
خائر خيالى كجواد اهترأت سنابكه تلقاء بيد وصالك ، .. وكأن وصالها صعب
متخثر الدهشة كصالية حرف جف عن ترتيل آياتك … هى حالة من بث المواجيد ، والشاعر يصر على استخدام أدوات التشبيه ليقترب باللفظ إلى الدلالة ، وبالمتلقى إلى الصورة ، هى صور متنامية معبرة عن حالته فنجده يقول :
زكيات رتوش الزهر المنساب على دفّة انفعالك ..
عصيات فيوض الندى الدائخ على وجنتيك …
غويات في اجتذاب ملامح الإناث الجامحات المسكونات بالكبت ..
رجيمات كمسحة من جلد شيطان .
من هذا الإيغال فى طقوس الانتظار الذى عرفنا من خلاله معالم كثيرة تتصل بالتجربة الإبداعية نفسيا واجتماعيا وفكريا ينطلق بنا الشاعر عبر الإهداء فى مرثية جميلة تصب فى الجسد حزنا وفى القلب ألما حيث يهدى الشاعر ديوانه إلى والده دون أن يصرح بذلك.. حيث كان الإهداء للذى لم يره إلا كتهويمة حالم .. ولعل هذه القصيدة الإهداء تضع أيدينا على شاعر انهكه الفقد ..فقد فقده عندما كان طفلا ..
ها أعوام عشرون وتسع وازدادت عاما
والقلب كحنجرتي غصّت ذكراك ولا أكثر من حشرجة
حيث الموت تورد فى خديك
ولمّا تشتر بيديك حنانا
أو تمسح رأسي برضاك
أملك قلبا أنهكه الوجع كما قلبك
من غيرك يذهب فى أفق يحمله للشمس
ليأتينى برغيفى
ومن تلك المحاكاة الحسية يؤكد لنا الشاعر أيضا أن هناك محاكاة أخرى على المستوى الشكلى فيقول متسائلا :
هل أبقيت وصايا فى خابية الروح تشكل ، بل توغل فى رسم سماتى ؟
وأكون صغيرا فى استحضارك ، أو فى استحضار
تقاسيمك ، كى أرفل فى حلم حماك
أملك وجها يشبهك لكن عينين تغصّان بذكرك
من غيري ضوّعه الشوق للثم ثراك
زرقة مستحيلة : ـ
تحت هذا المسمى نجد 19 قصيدة ، جل هذه القصائد ينطلق من رومانتيكية متأججة وبالتالى يدفعنا ذلك لماهية التجربة الوجدانية عند فاضل الجابر حيث تبدو فى الأفق صورا من الوجد والشوق من خلال الملامح المختلفى فى بناء الصورة من اعتداد بالزمن الطبيعي باختلاف ملامحه كالمدى / البرد/ الغيوم / السماء / قيثارتي / الريح / الصدى / الخيال / طيف …الخ ..كما فى قصيدة ماذا يقول الهوى ؟ والتى نلمح فيها أيضا حسا دراميا تتسلسل فيه الأحداث وتتابع من حالة لأخرى بداية بـ
لعمرى ، فما تحسب الأغنيات
إذا لفحتها نسائم صبحى
بأنقى صباح على وجنتيك
ولمّا تصلك تسابق روحى وأنت المدى
مرورا بـ ” إذا ما توشحت قيثارتى
ودندنت فيك التواشيح
تحملها الريح فى ثغرها والصدى
رسمتك حلما يجوب الخيال
يؤوب كطيف يضج حنينا
ويستمر الشاعر حتى يصل بنا إلى ..
وتأخذنى لجة عنك
تأخذنى لأقاصى النهايات من صورتى
حين تبقين فى صفحة الماء وحدك
ولعل استخدام الأفعال المضارعة تسرع من حركة التتابع بالنص وتجعله أكثر ديناميكية بل وتجعلنا فى حالة لهاث تام وراء الحدث وخلف تلك الصور المتولدة نتيجة لمشاعر متدفقة بل ومتوهجة .
ألملم من صفحة الماء دون الزنابق
دونك ، دونى قبيل الشفق
لماما … لماما
وأودعها فى أكف الملائك
والريب يملأ روح الغسق
ثم فى النهاية يقدم الشاعر رؤية الأخرين لمحبوبته مستنكرا عليهم تلك الرؤى وهذه النظرة التى تفتقر من وجهة نظره إلى سند يؤيدها فيقول :
كيف يقولون ما كنت إلا نتاج نزق ؟
وأعود لأعلى قليلا لأوضح معالم هذا الاستنكار عندما يقول :
فأنت تمدين قلبى بدفئك نبض الحياة
أذوب لأجلك
كما نلمح تسارعا للأفعال المضارعة فى قصيدة ” كفرت بك ” لندرك ان الشاعر من هؤلاء الذين لديهم القدرة على تحريك جملهم وصورهم وبالتالى يجعلون المتلقى فى حالة لهاث دائم وراء المعنى والصورة والدلالة الفنية المرجوة من النص الشعرى .. بمعنى أن الشاعر هو الذى يمتلك عجلة القيادة ، يسرع حينما يكون الإسراع مهما ويبطىء حينما يكون الإبطاء أهم ، ونلاحظ الأفعال [ أبعثر – أعد ] بينما جاءا الفعلان [ توسمت – توهمت ] كردة فعل على شعور ، وهنا تأتى فكرة المغايرة … كان التوسم والتهم فجاء النقيض .. كأرضية واقعية ..
توسمت فيك المحبة
صبّى علىّ شآبيب من وجع وفتن
طريقى إليك بعيد قصىّ كبعد ارتداد الصدى
فى الفضاء المسوّر طوق الجليد
حتى يصل الشاعر بنا إلى فكرة التوهم لشىء ومن أجل هذا فعل أشياء فنجده يقول :
توهمت شوقا ، فضمّنت آيا من الدفء
فى كل سطر كتبت إليك قصائد
أودعتها فى الحنايا من الوقت حد الشجن
وجدتك حيث الشتاء تغلغل فىّ
تلفعت من كلماتى وشاحا … مضيت
وإنى تلفعت منك المنون ……
وهنا تلمع فكرة المغايرة أو المفارقة التصويرية التى أسس لها الشاعر من خلال الفعلين الماضيين [ توسمت – توهمت ] .
وتستمر المعاناة إلى ان يغير الشاعر من رومانسيته تلك إلى واقعية غير متجانسة مع تلك الرومانسية فنجده فى قصيدة لاحقة لهاتين القصيدتين يتوعد ” لا مطر يرجى من سحابة صيف ” وهذا ما لا يتفق مع الجو العام للديوان فيقول :
فاقرئى الجدران مكتوب عليها : لن أعود
ولتذرفى كل الدموع فليس يجديك البكاء صـ19
وتأتى على العكسمن ذلك قصيدتى [ اعتذار –قاسية كالموت ] . ونلاحظ فى هذا الديوان شيئا مهما يستحق الدراسة ، ليست هذه الدراسة معنية به ، وهى حالة الافتتان من الشاعر بالوجه والاحتفاء بمفرداته ومكوناته المتناثرة هنا وهناك على صفحات هذا الديوان [ شفتين – خديك – وجنتيك – عينيك ....الخ ] .
ولن أعرج طويلا على فكرة توظيف التراث فى الديوان أيضا لمحدوديتها لكنها جاءت مهمة للغاية فى قصيدة ” أضغاث أحلام ” وللحقيقة فالشاعر وظفها توظيفا واعيا حين قال مستدعيا أو مستوحيا قصة موسى عليه السلام وهو فوق الجبل المقدس بمنطقة الطور بسيناء – قال :
أخلع نعلىّ أنادى من بردى : يا رب الوادى
ودى صوتى ينبئني : مرجوّ أنت فلا تخشى
وتجلّد تحرسك الأنواء
فيكون رد الفعل لكل هذا نجد التقافز – التوجس – التوخى – التبتل – الترتيل …وهى أفعال مضارعة تدعو للحياة والاستمرار والحركة .
هل رتلتك فجرا
إذ كان الضوء على الأغصان تدّلى
قربانا يمتهن الموت؟
ما بين الأزرق والأزرق
لا وجها غيرك أعبده والبعد تماوج فى لجج
فاغرة الأفواه كغرثى تلتهم الصوت
يا وجه الماء أغثني من سحبٍ
تمطرني كسف سماواتٍ
والبحر تلاطم من حولى
ودعائى أصبح أشلاء !
مدي لى رمشا ينقذني
آلهة العشق فأغرق فى بحر الآلاء
ونعود إلى ما بين الأزرق والأزرق التى ضمنها الشاعر قصيدة لنقرأ سويا دلالة اللون وكنت كتبت دراسة كاملة عن مجموعة قصصية للقاص ياسرعلى عبدالعليم احتفى فيها باللون ” كتبت عن دلالة اللون فى المجموعة وها أنا أعود لأجد تلاعبا باللون الواحد ، والقصدية المرجوة من الشاعر هنا ، تدفعنا لتفسيرات عدة منها على سبيل المثال هل يقصد بالأزرقين ” من المحيط إلى الخليج ” أم يقصد الشاعر السماء والأرض فجل الأرض ماء فيكون التشبيه بالغالب والسماء معروفة بزرقتها كانعكاس لوجه الأرض …فليس أمام الشاعر غير وجه واحد يحبه فى هذا الكون ..
وتأتى قصيدة ” راحل إلى أن يشاء الله ” من القصائد الجميلة التى تضمنها هذا الديوان والتى قدمت درسا رومانسيا جديدا للمحبين ، مشيرا إلى عدم وجود مفردات أو إشارات هادمة للعلاقة الرومانسية بين المحبين ومن ثم يستقيم البناء الدلالى والوزنى للقصيدة ،وبقدر ما يكون الانسجام الواجب تحققه بين الدلالة والوزن الشعري كبيراً، فإنه يتمخض ضرورة عن التحام جدلي متطور بين فضاء الوزن والفضاء الدلالي في النص الشعري يزيد من أهمية الوزن، وتزداد هذه الأهمية أكثر كلما أصبح الوزن عنصراً دلالياً في النص، على مستوى تعميق البنية الدلالية في ذاتها وتجسيدها، إذ يبدأ من هنا باكتساب جماليته الخاصة التي لا يمكن لها أن تتحقق من دون الوصل بالوزن إلى هذه المرحلة من الالتحام والتفاعل مع بؤرة المعنى وما يتمخض عنها من آفاق دلالية متشعبة ، قادرة على التعبير عن التجربة الشعرية بكل عمقها وثرائها وتعقيدها. “3″ ونلاحظ كلمة ( كرهتك جدا ) التى أوردها الشاعر بين تنصيص على لسان المحبوبة – جاءت كالكلمة التى هدمت ذلك المعبد القائم على أعمدة الرومانسية الخالصة فيقول :
سأبكى ولا عذر لى للركون إلى عودة
بعد أن أردفت فى الكلام ” كرهتك جدا “
وفى الدرب أيضا بدا آخرً / عاشق
وفى هذه القصيدة تبزغ معاناة طالما وجدناها فى الشعر العربى ، فكرة العزول الذى دائما ما يغير الوجه المضئ للرومانسية ، لكن لاعذر لها تلك المحبوبة أن تترك كل هذا الحب وهى من جادت بالحب قبلا . حيث أخلص المحب ولم تخلص هى ..
هلوسات وشظايا
***********
ويأتى هذا القسم فى 14 مقطوعة قصيرة جدا تتسم بالتكثيف والتركيز وتقديم الرؤية مباشرة ، وبالأحرى الوصول إلى الهدف من أقصر طريق ، ويمكن تسميتها بالطلقات الشعرية ، فيقول مثلا :
رصد البحر أحلامنا
وأباها القدر
كيف تلهج قيثارة الحظ باسمك
دون وتر !
ويقول فى أخرى :
تعيدين كل الرسائل
موسومة بالشجن
فيرسم وجهي جداول
نازفة كالسيول
وينسج صدري خيوط كفن
وهناك من المقطوعات أيضا شطرنج – انعكاس وفيها تضمين للعامية المصرية بين قوسين بطريقة جيدة وباعثة على الضحك أيضا ، حيث أصبح فعل الانعكاس بطلا حقيقيا على كل شيء ، وبذلك نغفر للشاعر هذا التضمين بل ويصبح من وجهة نظرى المتواضعة تضمينا مهما ومحمودا فى نفس الوقت ..
وكنت أتمنى من الشاعر أن يكتفى بالجزء الأول فقط فى هذا الديوان على أن يكون هناك ديوان آخر لتلك الهلوسات وهذى الشظايا ، لكنها على أى حال التجربة الشعرية الأولى للشاعر الجيد فاضل جعفر الجابر ، ومن المهم أن نفرد تجاربنا دون خوف وبوعى تام ، مثلما فعل شاعرنا الجميل هنا فى متسع للرحيل ، بل هو متسع للمجيء والقدوم ، فى عالم الكلمة الشعرية ، وربما تجمعنا الأيام هنا أو هناك نتعانق كما تعانقت الكلمات بعضها ببعض من خلال كلمة نقد وسطر شعرى …
محمود الديدامونى
15/7/ 2008
المراجع والمصادر
* متسع للرحيل – ديوان شعر- فاضل الجابر – الدار العربية للعلوم – بيروت 2006
1 – اتجاهات الشعر العربى المعاصر – د. إحسان عباس – عالم المعرفة
2 – التجربة الإبداعية – دراسة فى سيكولوجية الاتصال والإبداع – إسماعيل الملحم – اتحاد الكتاب العرب – دمشق 2003
3 – القصيدة الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية – د . محمد صابر عبيد – اتحاد الكتاب العرب – دمشق2001
ندى ونوارة المستحيل
المأساة والحلم
بقلم / محمود الديدامونى
سبق الحديث عن رضا عطيه فى ديوانه الاول (اشراقة) (1) الصادر عن قصور الثقافة وقد انتهينا من الحديث بتوجه الشاعر نحو الشعر الوجدانى وامكان تصنيفه تحت لواء المدرسة الرومانسية او الاتجاه الرومانسى فى اشعر العربى
وها هو اليوم فى ديوانه (ندى ونوارة المستحيل) (2) لم يختلف كثيرا من حيث المضمون وان اختلف الشكل عنده واتضحت معالم الرؤية اكثر
ولعل من الصفات الهامة فى الادب ان النصوص تشكل جزئيا كشفرة ولكنها لا تماثل شفرتها الا افتراضيا. فكل نص متكون من الاستخدام الخاص لشفرة اللغة ولمجموعة مبهمة من الشفرات الملتصقة بها.
يتحول الى نظام يمكن التعرف اليه ( اسلوب /عصراو نوع او مؤلف اوكتاب) قادر على التاثير وقابل لانتاج رسائل متعددة.
(تاويلات وقراءات)(3)
ولاشك أن الشاعر هنا ترك لنا نصه الشعرى لنتواصل معه بشكل أو بأخر يتساوى مع الابداع كما هو مفترض أن يكون خاصة الرؤية الجمالية للشاعر التى تنعكس بشكل ما على القارئ متكئة فى ذلك على عملية ترسيخ ثقافى.رغم أنها عملية شديدة الصعوبة نظرا لعوامل اجتماعية وتاريخية وثقافية.
ومن البديهى ان النقد هو ردة فعل على قراءة , وفى الغالب كتابة عن قراءة , كما يقول إميل فاغيه استاذ كرسى الشعر الفرنسى فى السوربون ( 1906) الى ذلك فى كتابه ” فن القراءة “ان النقد وساطة تعليمات اولا ثم تأويل وان من شأنه أن يوجه القارئ 0
والسؤال هنا هل استطاع رضا عطية من خلال رؤيته واستخدامه لجماليات اللغة فى ان يترك لنا تأويلات وقراءات يمكن الوقوف عندها 0 هذا ما سنحاول البحث عنه 0
الذاتية :-
انطلق الشاعرمن الذات او فلنقل أن معظم قصائده شديدة الخصوصيه موغلة فى الذات , ورغم ذلك نجدهفى كثير من الاحيان يتحرر من إسارها الضيق الى شمولية العالم المحيط به او يكسرها على حافة الوجدان العام
(والشاعر امام العالم والاشياء أسير الإلهام 00 بل ان الحب هو اول الابواب الموصدة التى يستطيع الشاعر – كفنان – ان يفتحها – يظل زمنا غير قصير مأخوذا فى بلاد ذلك الفتى الامير – الحب – يتنقل هنا وهناك ثملا فى حرية 00 وكأنه واقع تحت تأثير طاغ لايفيق منه 0 (4 )
ولنذهب الى اهداء الديوان قبل الدخول إليه 00
ندى الامل الذى راح
محمود البدر الذى لاح
اى ان الحالة الشعرية والرؤية التى يدور فى فلكها هذا الديوان تمتزج بشيئين اثنين لا ثالث لهما ” المأساة والحلم ”
فى اطار رومانسى متدفق حينا وهادئ احايين اخرى 0
ففى ( قصيدة وشوشات )
لأننى أحب أن أوشوش الطيور
أن أسابق السحاب
أن أغازل المطر
ولم أزل أحس أن لا حد بينى
والبشر
فاننى أسطيع أن أمتص آلام
القدر
الشاعر هنا يعرض موقفه ويقدم طاقته ويعلن انه يستطيع ان يمتص ألام القدر 0 ومن تلك الذات المحبة للحياة المتوائمة معها يقرر فى نفس القصيدة معتمدا على بناء جمالى يتأسس على المفارقة التصويرية
يقول:
لأننى اعتدت أن أرافق الكآبة
أحس أن فوق فرحتى ضبابة
وحين فى المساء تولد الدعابة
وتحتوى الفؤاد نشوة الصبابة
تحرك الغربان أوتار الربابة
هنا نجد أن كل شىء أصبح جميلا (كن جميلا ترى الوجود جميلا)
القلق الرومانسى والتشبث بالحلم:
والقلق فى هذا الديوان كثيرة شأنه فى ذلك شأن شعراء جيله والشعر الرومانسى قلق بطبعه
يأيها العشاق يا من تلتقون على بساط من أمل
لاتسرعوا فلم العجل؟
هل لى مكان بينكم؟(ص7)
ٍٍٍيتساءل الشاعر عن مكان بين المحبين،لكن هل يملك مقومات الانضمام اليهم؟
ٍٍينطلق باحساسه ومشاعره
أنا لا أحس بأننى فى هذه الساحات ضيف
فأنا تحركنى الصبابة نحوكم
فتقبلوا منى السلام
وهو اذ يعرض لمقومات الانضمام يتباهى امامهم
أنا ذا أغرد بينكم
مع أننى وحدى أتيت بلا أليف
ومن هنا تتضح معا لم الرؤية عند رضا عطيه ..هو انسان محب لم يرغب فى شىء آخر غير الحب .الحب عنده على اطلاقه..وهنا يكمن سر الجمال فى هذا النص الشعرى.
ورغم أنه يتضاءل بحسه ونفسه وطموحه عندما قال:
أنا قانع بالنظرة العجلى بأى فتات
فلكم تملكنى الشتات
وضح سبب قناعته بهذا الفتات لأنه قبل أن يرد الى واحة الحب كان مشتتا متمسكا بهذه الفرصة لأن مكانه بينهم
ويطالب المحبوبة /الحلم بأن يكون لديها فعلا ما تجاه حبه
يا التى ما أطعمتنى غير شهد الحب شهد الأمنيات
شتتى دنياى كابوس الشتات
حررينى من عقالات السبات
أنت يا شريان قافية القصيدة
أنت يا لغتى الجديدة
احضنينى مرة حضن الأمومة
واحضنينى ألف ألف مرة حضن الحبيبة
وهو بذلك يطالب المحبوبة أن تكون أما وحبيبة.
ويدور بمفرداته الرومانسية العذبة نحو المستقبل(الطيور /عصفوران/نسران/ القمر/ النجوم/ السحاب/ المطر/ القدر/ فراشة/الشهاب/المساء / ضبابة/الصبابة/الربابة) .
كلها مفردات تعبر بطريقة أو بأخرى عن علاقة الشاعر بالموجودات الطبيعية وتأثيرها عليه فى نسج الكلمة الشعرية و ان كان الشاعر قد جانبه التوفيق فى الزج ببعض القصائد التى تبتعد عن الرؤية الكلية لهذا الديوان مثل قصائد( ثوب الفداء/آيات الرجاء) وبدونهما يمكن أن يستقيم العمل ويتكامل.
البحث عن الهوية:
يبدو أن الأمر يتعلق بالتأمل والبحث عن الهوية وفى ذات الوقت عن الحرية والكيان ،رغم اقراره فى صدر قصيدة (هوية) بذلك
بلا هوية أسير
عاريا دون انتماء للقضية
كان من الممكن أن يكتفى الشاعر بالانتماء المطلق الا أنه حصر نفسه فى الانتماء للقضية ثم يسقط همه الخاص ليصير هما عاما ولست مع هذا التعميم أيضا
مدينتى مدينة الظلام
لا وجه لاأحلام لاكلام
فكيف تحمل القضية
فى أمة بلا هوية
ويستمر الشاعر فى جلد الذات معبرا عن تلك الحالة التى أفقدته هويته ويخاطب ذاته أو الآخر أو أى شىء يمكن مخاطبته
قل لهم ما شئت عنا
قل بأنا لم نعد فى الأرض الا امعه
لم نعد نبكى
كيف يبكى من تلذذ بالدعه
وكما أشرت سلفا فأنه ينطلق من هوية الذات الى هوية الوطن بلغة ثورية متشبثة بروح رومانسية أيضا، فلم يصرخ وانما ثورته همس،رغم ما يتضح بها من غضب
جرحنا ما عاد يبكى الآخرين
انه ما عاد يبكينا لأنا قد عشقنا أن نلين….نستكين
القصيدة شديدة المباشرة ،لكنها تعبر عن موقف كان يجب الاشارة اليه للوقوف على الرؤية التى تحرك الكتابة عند الشاعر وهو فى كل ذلك يتوق الى الحرية
حررينى من عقالات السبات ( قصيدة:صباح جديدص12)
وأطلقى من عش عينيك الحمام ( قصيدة :لاتحزنى ص34)
والشاعر فى رحلته للبحث عن الحرية والهوية نجده مغرما( بالزهور/الشموس/النجوم/ النهار /الشموع)
موضحا أن السبيل الى الهوية وا لى الحرية صعب.
رقة الشاعر تجعله مستسلما مستكينا وهذا لايتفق مع روح الكلمة وتأثيرها،فالصمود فى وجه كل تلك التداعيات هو الطريق الىالحرية وتحقيق الهوية
المأساة :
على فترات متقطعة تظهر مأساة الشاعر ويعلن عن تجربته سبحيادية وبشجن يصل الى حد الدموع
يتيم …….. يتيم
وفى القلب تصحو جراحات حب قديم…….(نوارة المستحيل ص44) ويستمر الشاعر فى وصف حاله وحال قلبه
وقلبى الذى ما ملكت سواه
أراه يلملم أشلاءه
المترعات ؟أسى وجمود
ويوضح السبب الذى جعله يذهب لنوارة المستحيل
أنا ما ذهبت لنوارة المستحيل مستجديا
ولكن دعتنى لأستاف من عطرها المرمرى
أقبل بالقرب من سحرها أمنياتى
فتصغر ذاتى
هذه المأساة جعلت الشاعر يلجأ الى استخدام مفردات لغوية تتواءم مع الموقف ومع هذه الحالة شديدة الشجن (يتيم/رماد/عنيد/ المغاليق/ الثكالى/السدود/أشلاء/ جمود/ ضللت / جب / يذبل/ صبارة / العنكبوت / الشوك / البوار / المرار/ الجحيم )
ويبدو أن مأساة الفقد أخذت من الشاعر وقتا طويلا،حيث يظهر هذا كما سبق الاشارة على فترات بدءا من الاهداء
ندى الأمل الذى راح
ليطالعنا بقصيدة تحمل عنوان ندى وهى مرثية هذا الفقد
وافترقنا قبل أن نلتقى…….
عالمى أمسى قيودا فى قيود
كانت الآمال تفرش مجلسا فى مقلتى
فى انتظار البسمة
ولنرقب سويا هذه الصورة المعبرةعن جلال اللحظة عند الشاعر
كنت أرقب لحظة الشدو الجميل
لحظة تبكى فتشدو أمنياتى
ثم يقدم للمتلقى لطمة موجعة…
انها لاذت بأجنحة الفرار
بعد أن هيأت نفسى للعناق
وتستمر حالة الفضفضة معبرا عن هذا الشوق وهذا الحلم الذى كان ينتظره
كنت أحتاج لقبلة
من فم يشدو بوأوأة الصغار
ولعين يختفى من سحرها ضوء النهار
كنت أحتاج لطبلة
كنت أحتاج سبوعا وشموعا وفشار……( ندى:ص32)
وفى هذا السياق يقدم قصيدة( رحلة) وكن بعدما تخلص من أسار الذات للحظة محاولا التعامل مع الموت من منظور فلسفة الوجود
حينما تم انتهى
الأحياء من بدء الخليقة قصة
وهو فى كل ذلك رقيق متدفق المشاعر لديه القدرة علىالتأثير فى المتلقى يتسلل اليه فى هدوء
الحلم :
لا يمكن لإنسان بأن يحيا بدون حلم يراوده،ما بالنا بشاعر
هل لى مكان بينكم………يحلم بمكان بين المحبين
ولكن تلوح لى الذكريات
فينشق فجر طواه الغسق
وتبزغ شمس الجهاد الأبى
ليصحو فى القلب صوت خنق
هنا يصبح الحلم متمثلا فى كل جوانبه حلما ب(الحياة /الزوجة /الحبيبة /الطفل /الضياء……….الخ)
وهو فى قمة حلمه يصبح أكثر طبيعية،يترك الكلمة حرة طليقة دون قيد
أمطرينى بالندى بالفرح بالآتى الجنين
هدئى البركان فى
ان ترمومتر حبى قد تعدى الأربعين
فتعالى بالشفاء
بالحياة لمن يعانق الردى
أحبك يا التى غرست بروحى الأمنيات
وسقت رياحين الأمل
وعندما تحقق الحلم كانسان وأصبح ابا لطفل جميل أقر بواقع جديد ورؤية مغايرة للحياة عن تلك التى كان يدور فى فلكها فعاد بذاكرته الىتلك الأيام فى ريفنا المصرى معتمدا على مفرداته البسيطة،( طلمبة / قلة / زير/ عشة / طين / لحاءات الذرة / الفطير /البيض / اللبن) يرسم من خلال كل هذه المفردات نسيجا ٍشعريا متكاملا يعبر فيه عن ذلك التناقض فى الريف المصرى مرمزا فى الوقت ذاته الى الكرم الذى يتسم به رغم ضيق العيش.
ويعود بعدها ليعلن تحقق الحلم فى قصيدة (على عتبات الظنون)
أنا الآن أملأ كفى سعادة
وفى القلب غادة وبين الجوانح حلم تأجج
أفلت من سجن أحزانه المستميته
على عتبات الظنون رأيت الحقيقة
أنا العاشق المستبين طريقه
الهوامش
اشراقة …رضا عطيه…قصور الثقافة2000
ندى ونوارة المستحيل رضا عطيه أصوات معاصرة2005
قضايا أدبية عامة د.لطيف زيتونى عالم المعرفة
المرأة فى شعر البياتى د.أحمد سويلم
دراسة عن شعر محمود الديدامونى د.صابر عبد الدايم
قصيدة“اِجـــــذِبْ زِنــــادَ الصَّخــــر“
شعر: هــلال الفــارع
قراءة / محمود الديدامونى
فى قصيدة تنطلق من ذات مكلومة ، طوف بنا الشاعر هلال الفارع نحو عالم قد يقع فريسة بين التردد والانتظار ، أبدا هو لا يتحدث على المتخاذلين ، بل يعبر فوق أفعالهم ، ويعريها للمتلقى الذى يجده قادرا على الفعل والتغيير ، رغم أن الأمر كله يمر عبر المذبحة ، فلا فكاك ولا فرار ، كل الطرق كما يقولون تؤدى إلى روما … فلماذا العجب ؟ سؤال استنكاري يطرحه الشاعر فى استهلال بديع يبدأ به النص الشعرى ، ويوضح ويقر بأن ذلك كله لقضاء المصلحة ، تلك المصلحة التى لا تفيد من قريب أو بعيد ذلك المخاطب الغارق فى الدم ،يدفع الثمن من راحته واستقراره ، وعرضه وأرضه التى هى كيانه كله ، إنما المصلحة لأولئك الذين يريدون الاحتفاظ بتيجانهم وكراسيهم ، العرب بلا استثناء جميعا يقعون فى هذا الفخ ، أطلق الشاعر تعبيرا رائعا على تيجان هؤلاء ( جباه الصمت ) ليؤكد ان الحق بهذه الطريقة الصامتة يموت موتا إكلينيكيا بأيدينا وبصمتنا ، لا يهم …. هم حفنة لا يجب أن نعتد بهم ، ما داموا صامتين ،
كُلُّ الدُّرُوبِ تَمُرُّ عَبْرَ المذبَحَهْ
فيمَ العَجَبْ؟!
هذا قَضاءُ المصْلَحَهْ
لِتَظَلَّ تَلْمَعُ في جِباهِ الصَّمتِ
تِيجانُ العَرَبْ
هذا زَمانُ المصلَحَهْ
قاتِلْ إِذًا.. قاتِلْ
بِكُلِّ الأَسْلِحَهْ
وَبِما تَيَسَّرَ مِنْ غَضَبْ
وَدَعِ العَتَبْ
هذا ما يريده الشاعر للتحرك ، القتال بكل الأسلحة ، وبالتأكيد لم يقف الشاعر عن حد السلاح المادى للقتال فوضع كلمة لا يبدعها غلا من خبر التجربة وعاشها بكيانه ، عندما قال الشاعر
( وبما تيسر من غضب ) إنه يبحث عن الوازع النفسى الذى يحرك الطاقة البشرية القادرة والتى ببعض الغضب تهب لفك قيدها … فقط ما تيسر من غضب ، ولا تلتفت للعتب والملام ، فذلك لا يجدى من تعاتب ؟
إِنَّ الرَّصَاصَ يَئِنُّ في أَغلالِهِ،
في أَسْرِ أَصحابِ الرُّتَبْ
وهنا أيضا يؤكد الشاعر فى تركيز عال على أن العسكريون ، الذين هم يرتدون الزى العسكرى لم الشعب فى حاجة إليهم ، ما دامت الرصاصات حبيسة أدراجها ، تئن فى أغلالها ، فقط تئن وهم لا يتحركون لأنينها ، غير قادرين على فك أسرها ، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، بل هم الذين يقفون عائقا أمامها ، هم الذين يكبلونها ، ما أجمل هذا التعبير
شاعر يدرك قيمة الكلمة ويضعها فى أماكنها الصحيحة
قاتِلْ بِما مَلَكَتْ يَمينُكَ،
لا يُخَبِّئُ غَيْبُكَ المرسومُ
غيرَ الأضرحة
يا مِنْ تُدافِعُ عَنْ جميعِ الأجنحة:
إِنَّ البِلادَ لِمَنْ غَلَبْ
فاجْذِبْ زِنادَ الصَّخْرِ،
هو يسثير القلوب التى أشعلت انتفاضة الحجارة ، ليس الأمر تعاطفا بل فعلا وتحركا ، مؤكدا على قيمة المل …. هو الأمل بالطبع هو الأمل الذى يجب ان يظل الشعب المضطهد ملتحفا به .. لأنه صاحب الحق ، والفعل بلا أمل بالتأكيد يصبح بلا جدوى ،
هذا النَّصْرُ لاحَ على المَشَارِفِ واقتَرَبْ
واضْرِبْ..
ولو أنَّ الحَصاةَ بِكَوْمَتَيْنِ مِنََ الذَّهَبْ
هى الأرض لا تقدر بمال ، يذكر الشاعر أولاد الانتفاضة والباحثين عن الحرية أن الأرض لا تقدر بمال حتى لو ان ” ولو أنَّ الحَصاةَ بِكَوْمَتَيْنِ مِنََ الذَّهَبْ”
سَنَبيعُ أَمجادًا وَرِثْناها على سِنَةِ العَصَبْ
سنبيعُ شالاتِ القَصَبْ
سَنبيعُ أَنفُسَنا..
وَنَبْتاعُ الحِجارَةَ والغَضَبْ
فاجْذِبْ زِنادَ الصَّخْرِ .. لا كانَ التَّعَبْ
حتَّى تُوَحِّدَ بالمَقاليعِ الجليلَ..
وخانَ يونُسَ.. والنَّقَبْ!
بذلك وبذلك فقط تصبح الأمة واحدة
كُلُّ الدُّروبِ تَمُرُّ في عُنُقِ الزُّجاجَةِ واللَّهَبْ
قاتِلْ إِذًا..قاتِلْ
فَأَنْتَ المُرْتَقَبْ
واضْغَطْ خَلاياكَ العَظيمَةَ كي تَمُرَّ مِنَ الزُّجاجْ
هذا زَمانُ الإنْفِراجْ
هذا زَمانُكَ..
فاغْتَنِمْهُ بِكُلِّ أَشكالِ الإِثارَهْ
وارفَعْ حِصارَكَ،
ليسَ أَهلاً للحياةِ مَنِ ارْتَضى يَومًا حِصارَهْ
ما أجمل هذا المقطع من القصيدة ولقد قرأت تحليلا بارعا للشاعر أشرف الخضرى حول هذا المقطع لا أملك سوى الاستشهاد به فقال : (
هذا مقطع شعرى واحد فقط من قصيدة الشاعر العظيم هلال الفارع ، وأنا هنا أقف لأدعو للتوقف فقط أمام مقطع واحد فقط يوازى أو يعادل بيتين اثنين من الشعر العمودى فى شكله القديم..وكما أن مئة ألف شاعر دخلوا تاريخ الشعر إلى الأبد ببيت من الشعر أو بيتين ، فإنني سأعتبر أن هلال الفارع لم يصلنا من شعره سوى هذا المقطع..لذا أتوقف هنا أمامه لأرى ماذا يحمل هذا المقطع من الإبداع شعرا وتخييلا وحكمة وقوة بناء وقوة تأثير ووعى حاد وتأثر رهيب وتأثير بالغ
فى نفس المتلقى..
نتأمل هنا هذه المقدرة على التصوير والبناء وبين ايدينا كيمياء شعرية محكمة المعادلة تتولد دلالاتها تباعا فى تسلسل يشبه الانشطار النووى تخرج من صورة صغيرة إلى الأخرى لتلتحم الصور معا مشكلة صورة شعرية كبيرة تشير وتهمس وتحفر وتكشف وتعرى وتنير الطريق بوعى حاد يخلق من تلقاء ذاته وعيا اشد بهذه الحياة الخاصة وهذه المأساة..وعظمة الشعر هنا أنه رغم توجيه الشاعر رسالته إلى المناضل الفلسطينى خاصة لكن تجد الرسالة إنسانية ومتسعة فحينما يقرأ هذا الشعر مقاتل فى أخر بقاع الدنيا فلن يتشكك أن النص موجه له هو وليس لمواطن سواه وهكذا اتسعت الرسالة لتمس كل حق سليب لكل إنسان على الأرض وهكذا تتخطى الرسالة حدود الوطن الخاص إلى العالم لتصير لغة عالمية وشعرا إنسانيا خالصا لكل البشر.. ونعود إلى النص المقطع الصغير جدا الكبير جدا جدا
كُلُّ الدُّروبِ تَمُرُّ في عُنُقِ الزُّجاجَةِ واللَّهَبْ
قاتِلْ إِذًا..قاتِلْ
فَأَنْتَ المُرْتَقَبْ
واضْغَطْ خَلاياكَ العَظيمَةَ كي تَمُرَّ مِنَ الزُّجاجْ
هذا زَمانُ الإنْفِراجْ
هذا زَمانُكَ..
فاغْتَنِمْهُ بِكُلِّ أَشكالِ الإِثارَهْ
وارفَعْ حِصارَكَ،
ليسَ أَهلاً للحياةِ مَنِ ارْتَضى يَومًا حِصارَهْ
…
حينما نتتبع الإشارة الأولى
كل الدروب تمر عبر المذبحة ..بداية القصيدة..ثم يعود هنا ويقول : -
كل الدروب تمر من عنق الزجاجة..
التوقف أمام المشهدين يعطى الكثير من الإشارات فى لغة قوية وإيحائية وبناء لغوى محكم وبنية جميلة
المذبحة وهى تشير إلى النهاية المحتمة وتعطى إحساسا باليأس وتيقن الهلاك تتطور الصورة الشعرية وترقى
بسرعة ليتحول المشهد من المذبحة إلى عنق الزجاجة وهنا يزرع الشاعر أملا قويا فى النجاة لكن هذا الأمل يتطلب إعجازا خارقا لكى يعبر عنق الزجاجة فكيف يشير الشاعر إلى هذه الفرصة بالنجاة تأمل
واضْغَطْ خَلاياكَ العَظيمَةَ كي تَمُرَّ مِنَ الزُّجاجْ
هنا يتجدد الأمل ويولد بعد تمام اليأس والشاعر يشير ببراعة الى كيفية التعامل مع الفرصة
داعيا متلقيه إلى الوعى بكيفية الانعتاق من عنق الزجاجة عبر معجزة وهى اضغط خلاياك..
وتجد براعة إبداعية منقطعة النظير..فالمفردة …العظيمة..التى جاءت صفة لخلاياك..تنزع من ذهن القارىء
التوهم بان الذات التى تعبر هنا ذات ضئيلة هشة يتيسر لها التلاشي والانفلات لأنها لا شيء أصلا ..
الشاعر يشير بقوة إلى.. خلاياك العظيمة.. وهكذا تتضخم الصورة وتتسع الدلالة..فهنا صار الأمر أصعب
وابعد تحققا ولكنه أمل وأمل حقيقي قابل للحياة..
وحين يشير الشاعر إلى أن هذا ..زمان الانفراج… فهو يؤسس لوعى جديد وينشئ حلما خاصا يجب التعايش معه وتصديقه وهكذا يؤدى الشاعر رسالته..حيث أن رصاصة واحده تضيء الطريق ..وهو يرسخ لذلك بهذ ا….زمان الانفراج ..
وبسلاسة ودون ادعاء تجد الحكمة فى مفهومها الأزلي تتسرب الى النص فى نعومة جميلة وقوة
ليسَ أَهلاً للحياةِ مَنِ ارْتَضى يَومًا حِصارَهْ )
اِرْفَعْ حِصارَكَ…
إِنَّنا سَنَحُجُّ هذا العامَ عندكَ،
كَيْ نُكَفِّرَ عنْ خَطايانا،
وَرِدَّتِنا المُعَارَهْ
سَنَحُجُّ هذا العامَ عندَكَ،
دَعْ لنا بعضَ الحِجارَهْ
كي لا يفوتَ حَجِيجَنا الرَّجْمُ المُقَدَّسُ والطَّهارَهْ!!
***
هذا زَمانُ الإِرْتِجاجْ
لكنَّهُ زَمَنُ الخُيولْ
قاتِلْ إِذًا.. وَدَعِ المَلامَ،
فَإِنَّهمْ مُسْتَغرِقونَ إِلى النَّواصي في الحُلولْ
لا يُقْعِدَنَّكَ عَنْ مُقارَعَةِ العِدا
يحدد الشاعر موقفه من اللقاءات والاجتماعات والمؤتمرات ، ويقول بأن التغيير لن يكون غلا بيديك أيها المقاتل الشريف ، أنت الذى ستحل كل شيء بيديك أنت وليس بجلساتهم ومؤتمراتهم المستعارة ، فقط هم يقعدونك عن القتال والنضال ، موقف لابد ان نشير غليه وهو فى واقع المر يعضد قيمة المواطنة بمعناها الحقيقى ، ويعبر عن موقف ما بعيدا عن تلك المسميات السياسية ن الشاعر فقط مع النضال ،لأن كل ما يفعلون ما هو إلا من تخطيط غربى ( غربى الطبول ) كلمة واحدة دالة وهامة وعميقة تدل على الموقف الغربى ودوره فى لعبكة القضايا العربية ( لخبطة ) بالفعل فهو :
عُرسٌ يُخَبِّئُ في ثَناياهُ الرَّدى
مُتَاَمْرِكُ اللَّمَساتِ غربيُّ الطُّبولْ
قاتِلْ..
فشمسُ اللاجئينَ على بِداياتِ الأُفولْ
الشاعر يستنهض الثوار من الشعب فى لغة ولا أروع ، هامسا فى أذنه بكلمة بسيطة وموحية وليس لها تبديل ، فشمس اللاجئين ، إنها شمس نعم هى شمس تظهر للعيان ، لكن بالغفلة تذهب ويجن الليل عليها فلا مجال أيها الثوار للغفلة ، واتركوا الذهول خلف ظهوركم فلا مجال له اليوم ، إما قضاؤك وإما قضاؤهم …. تخير … ليس أمامك اختيار
وَدَعِ الذُّهولْ
هذا زَمانُ الإِرتِجاجْ
هذا قَضاءُ الرَّافِضينَ الصَّامِدينَ اليومَ
في غُرَفِ المَساجْ
هذا قَضاؤُكَ.. كُنْهُ،
ليسَ أَمامَكَ اليومَ اخْتِيارْ
همْ قاتِلوكَ.. ونحنُ أَيضًا قاتِلوكَ
أَلَسْتَ تَفْهَمُ،
ما أروعك أخي الشاعر وأنت تقول هذه الكلمة التى تهز بها كيان المخاطب ” ألست تفهم ” وكأنك تمسكه من لحيته او من كتفه وتهزه بشدة لينتبه ، تفهمه أن الموت قادم لا محالة بأيدي العدو أو بأيدى الخانعين الصامتين ملاك جباه الصمت
ذا زَمانُ الانتحار؟!
قاتِلْ.. ولا تَسْتَجْدِ خَيْلَ الصَّامِتينَ،
فَكُلُّهُمْ أَبناءُ عارْ
وَارْبَأْ بِنَفْسِكَ عَنْ مُداهَنَةِ الصِّغارْ
كذبَ الَّذينَ تَقَوَّلوا:
والدَّهْرُ إِنْ عاداكَ يومًا.. كُنْ مَعَهْ!
رائع أيها الشاعر أن نخالف تلك الأمثلة التى جلبها الاستعمار معه وروج لها المتنعجون هؤلاء … فلا تهادن الدهر أبدا إن كان ظالما لك ، بل أرق مضججعه
كُنْ ضِدَّ هذا الدَّهْرَ، واقْضُضْ مَضْجَعَهْ
يا سيدي،
يا مَنْ أَثَرْتَ الزَّوْبَعَهْ
يا مَنْ كَشَفْتَ لنا الجهاتِ الأَربَعَهْ
يا مَنْ أَضَأْتَ لنا السِّراجْ:
هذا زَمانُ الإرتِجاجْ
عَبَثًا تُفَتِّشُ بينَ أَفخاذِ القطيعِ..
فَكُلُّهُ أَبَدًا نِعاجْ!!
***
كُلُّ الدُّروبِ تَمُرُّ نحوَ النَّصْرِ في ذاتِ المَمَرْ
قاتِلْ إِذًا.. قاتِلْ،
فَأَنتَ المُنتَظَرْ
النَّصرُ لاحَ فلا تَقِفْ..
أَيْنَ المَفَرْ؟!
فأَمامَكَ الأَعداءُ قَدْ شَهَروا الحِرابْ
ووراءَكَ الأعداءُ قد شَحَذُوا لِظَهرِكَ
كُلَّ سِكِّينٍ ونابْ
وعلى الجَوانِبِ ألفُ هولاكو
يقودونَ التَّتَرْ
قاتِلْ..
ولا يَغْرُرْكَ ما يَتَقَلَّبونَ،
ففي جُروحِكَ مِنْ تَقَلُّبِهِمْ عِبَرْ
واسْلَخْ ضِياءَكَ مِنْ لياليهِمْ،
فَذا ليلُ الخَدَرْ
وَدَعِ العِتابْ
سَيَجيءُ – مهما بالَغوا – يومُ الحِسابْ
سَيجيءُ ميعادُ الشَّرَرْ
إَِذ ذاكَ… يُمكِنُ أنْ تُفَكِّرَ
في الذَّهابِ لِمُؤْتَمَرْ!!
مجرد قراءة فى قصيدة غاية فى العمق والدلالة والنضال والثورة والجمال
جمال اللغة والشعر والفكر

La Feltrinelli
كاريكاتور
ملتقى الشعر الإيبيرو مغربي
موقع أدبي إيطالي
ميدل إيست أونلاين
مجلة الغربال
أنفاس نت
القصة السورية
الكتاب العربي الإلكتروني
المثقف
المركز المتوسطي للدراسات و الأبحاث
الوراق
العلم و الدين في الإسلام
اتحاد كتاب الإنترنيت العرب
راديو سماع للمديح النبوي
صوت العروبة
الصفصاف
سعاد درير
nnostalgia3@gmail.com